المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عذاب السنين ..


رأي متواضع
17-01-2004, 03:49 PM
كنت اتمشى بالحي الذي اقطن فيه كان الغرض من التمشية ترفيه النفس واخراجها عن بعض ماالم بها مؤخرا من الحزن واخواته والهم وابنائه ، كان تفكيري يكاد ان يكون مستمرا لدرجة انني لم اعد اشعر بقدمي وكأنني محمول ببساط سحري .
كانت افكاري متسارعة ومتعددة لذلك لم اشعر الا وانا امام مكان غريب قليلا لم اعتد التواجد به او ربما مررت به من قبل ولم يسترعي انتباهي ، كأنني رجعت بالبساط السحري الى اجيال مضت فالمكان عبارة عن بيت خشبي لا لون له الواحه الخشبية متراصة بطريقة عشوائية وغير مثبتة باحكام وكان هناك عداوة بين هذه الالواح والمسامير كانت الارض مفترشة بمخلفات وقاذورات عالجتها السنين فاصبحت كأنها معبدة .

اقتربت من هذا البيت المتهالك بدافع الفضول لكي انظر الى هذا البناء الذي يعبق برائحة الاجيال وفجأة تسمرت رجلاي اثر سماعي لنباح كلب ولا اخفيكم بانني لا استلطف الكلاب تسمرت في مكاني وكانت عيناي تنظر الى الاعلى وركبتاي تكاد ان ترتطم بالارض من كثر الارتجافات التي لم تعتد تحتملها قدماي .

فجأة انهى هذا المشهد المربع صوت ضعيف بكلمات لم افهمها انصرف بعدها الكلب تاركا اخيكم في ارتعاشته اللاارادية ، اقترب مني صاحب الصوت الضعيف خارجا من ذلك البيت المتهالك مقتربا نحوي ، بدأت هيئته تتضح عندما فتح الباب وكانني في مشهد مسرحي اطفئت انواره استعدادا لخروج البطل .

بدأت الظلمة تتلاشى رويدا وكان هناك مصباح بالاعلى وكأنه بدأ يتحرك باتجاه العجوز بادئا بملامح جسده الضعيف ومن ثم كاشفا عن ملابس مهترئة مرقعه ومنتهيا بوجه كئيب كانت اثار السنين بادئة على ملامحه فحدود الفم الى الاسفل وتجعيدات الوجه تكاد تخفى العينين .

لا اخفيكم لقد فزعت كثيرا من هذا المنظر وكانني قد قذفت الى عالم اخر او زمن ، لم يحركني ويريح بالي الا عندما نطق العجوز :من انت؟ عندها شعرت بالراحة وبانني امام شخص نبذته الايام واسكنته في ذلك الحطام .

انا عابر ياعم مررت بالقرب من دارك فاهالني منظره فدفع بي الفضول لارى مابه اجابني : هل غدت حياة الاخرين يابني مسرحا للفضوليين ؟ احرجني بكلماته تلك واطرقت راسي الى الارض خجلا واعتذرت منه .

قال لي لا عليك فانا في موقعي هذا عرضة للكثير من نظرات الاستغراب والاقاويل ولست انت اولهم ولكن اراك من افضلهم لانني اتعرض للمضايقات من الاطفال والشباب لا بل تصل من الكبار بعض الاحيان .

احزنني كلامه ودب الفضول مرة اخرى الى راسي : مالذي اتى بك الى هذا الحال؟

اجاب انه عذاب السنين فوجودي في هذا المكان ليس وليد اليوم بل هو امتداد لسنين قضيته بعيدا عن الاهل والمعارف .

لقد نشأت يابني غريبا في هذه الدنيا فلقد توفي والداي وعهد الى احد اقاربني مهام تربيتي وكان ذلك القريب لديه من الاولاد مايجعل اقامتي لديهم غير مرحب به . ياولدي انا لم استطع ان اتعلم شيئا امضيت حياتي في خدمة قريبي هذا واشباع اطماع زوجته التي كانت تتفنن في الطلبات والشكوى من وجودي الدائم لقد كبرت لديهم وانا اشبه بالانسان المنبوذ الذي لايعرف من الحياة الا الطلبات والمشاوير فلم انعم بطفولة كباقي الاطفال ولم يتسن لي تكوين الصداقات فلقد كان خروجي فقط للعمل في مخبز بالقرب من النار تلفح ليونة وجهي نيران الافران وتهلك رئيتاي تطاير الدقيق وتدمع عيناي عند شتمي من قبل بعض المشترين من اجل التعجيل في اعداد الخبز وبعد هذا كله لم يكن لي سوى الفتات من راتبي .

سكت العجوز وهو يتنهد وسط اغماضة شديدة لعينيه التي بالكاد تمطر بضع دميعات فلقد افنى دموعه بكاء السنين.

تغرغرت عيناي لانني كنت السبب في اخراج مابه من هموم .

استكمل الرجل قصته بل عذاب حياته :

في يوم من الايام تمنيت ان افرح معدتي بغذاء لم يسبق لي تناوله فلم يكن غذائي معهم الا من فضلتهم التي لاتكفي دوما لسد استغاثة معدتي . اشتريت بمالي طعاما لي وعدت الى المنزل وكان هذا الغذاء قد اعاد لجسدي النحيل طاقته .

قابلتني زوجة قريبي طالبة معي من نقود فقلت لها بانني تغذيت بها اليوم ولم اكمل كلامي الا وصفعة غادرة من يدي تلك القاسية افقدتني اتزاني واثارت في بكائي وكان ذلك مع قدوم قريبي الذي استفسر عن السبب فافترت علي تلك القاسية وقالت بانني تعديت على احدى بناتها ولم استطع ان التقط انفاسي من صفعتها الا وقريبي يكيل لي اصناف اللكمات والسباب .طردني نعم طردني وتركني في الشارع وانا شاب في منتصف العشرينات .

اخذت اهيم بين الطرقات لعلي اجد مقرا اسكن فيه فكان الجميع يصد بابه امامي واولهم صاحب المخبز الذي اخبره قريبي باتهاماتهم لي وطردت من الحي الذي كنت فيه لانهم لايريدون السيئين امثالي .

مع هذا كله قتلني التفكير ولم استطع تحمل مافيه وغبت عن الدنيا مؤقتا وافقت في مستشفى للامراض النفسية نقلت اليها وتم ابقائي فيها فترة طويلة وجدت فيها اناس طيبين امثالي بقايا عذاب السنين .

ومرت سنوات اخرجوني بعدها للحياة مرة اخرى وسط رفض قريبي استلامي لم اجد سوى هذا المكان اشتغلت فيه كبائع للخردوات استطعت بعدها تشييد هذا المنزل ولكن بعد فوات السنيني فالناس الان ليسوا كالسابق كل شئ تغير لا استطيع ان اعيش بينهم انها عزلتي لا اريد غيرها لا اريد ان اعاني من جديد .

بدأ العجوز بالدخول داره وهو يتمتم من بعيد واختفى في الظلمة من جديد تاركا لاخيكم الحزن الشديد .

بعد ذلك انظروا اخواني واخواتي رواد وقارئ " المكنون " كيف تكون القسوة سببا لتحطيم حياة انسان .. اين التكاتف اين المحبة ؟

غرتنا هذه الدنيا فانستنا واجباتنا تجاه من هم حولنا بل قد نسينا اقرب الناس لنا . لا تستمروا بالقراءة من لديه والديه فليحسن برهم وليمسح دمعتهم فانهم في حاجة لوقفة .. ومن لديه يتيم فليُحسن إليه .. فهذه هبة من الله إليه .. ليرعاها .. ويُحسن إليها فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((‏ أنا وكافل اليتيم ))‏ في الجنة كهاتين وأشار بإصبعيه ‏ ‏يعني السبابة والوسطى ‏رواه مسلم

كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم :

( أنا وكافل اليتيم له أو لغيره في الجنة، والساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله )

رواه مسلم.




اقولها لكم خوفا عليكم من عذاب السنين ..



" من إختياري المتواضع "


أختكــــــــــــــــــــم ..

الشارف
17-01-2004, 07:26 PM
الاخت راي متواضع

ابدعت جدا بنقلك لنا هذه القصه ..

التي اخذتني بعيدا الى نهارات بعيده وقاسيه .. مر ت على هذا العجوز البائس .. الا انني ارى فيه قوة الاراده والصمود التي منحه الله عز وجل .. بان اجتمع مع عذاباته "منفردا ".. بعيدا عن القهر وتسلط الناس ..

اعترف بشرود كلماتي كما "شرد " خيالي وانا اقرا هذه القصه الى تلك القلوب القاسيه الميته التي تهتز غدرا كاغصان اشجار ميته لاروح فيها ..

اسال الله العلي القدير ان يلين قلوبنا بارين بوالدينا .. في حياتهم

وبعد مماتهم نكون من "الولد الصالح" الذي يدعو لهم ..

لكم تقديري,,

تحيتيــ..

المقدام
18-01-2004, 02:46 AM
السلام عليكم ؛؛



الأخت الفاضله .. رأي متواضع



شكرا لك على طرح هذه القصة الحزينة والمؤلمة والتي تشعرنا بمدى قساوة البشر وظلمهم ..

فأمثال ذلك الشيخ كثيرون في زماننا هذا .. فزيارة واحدة لدور العجزة والمسنين كافية لمعرفة مدى الجور والظلم والجحود الذي وصل إليه أبناء هذا العصر .

وإنا لله وإنا إليه راجعون ...





وتقبلي فائق تحياتي وتقديري ؛؛؛

إبتسامة طفل
18-01-2004, 11:38 PM
الغاليه في الله / رأي متواضع

كثيرون في ايامنا هذه هم هؤلاء الضعيف مع إختلاف الشخصيات والأماكن ..
وقد قرأت قصه طويله جدا لا يتسع المكان لذكرها في تفسير ابن كثير عن اليتيم وجزاء رعايته والعطف عليه ..
وقبل ذلك الا يكفيك شرف وفخرا أن بسبب رعايتك لهذا اليتيم ستصاحب سيد الخلق الهادي الأمين في الجنه ؟!
أسأل الله أن لا يجعلنا من القاسية قلوبهم حتى لا يأتي ذلك اليوم وأكون أنا أو أنت أوهي هذا الرجل بسبب قسوة قلوبنا ...

تحياتي لك أيتها المتميزه على هذه القصه التي تدمي القلب ..

محمد المحمادي
19-01-2004, 01:34 AM
الأخت الفاضلة / رأي متواضع

لك أجزل الشكر وأفضل التقدير على طرح هذه القصة المؤثرة والتي ترمز إلى نوع من التفكك الاجتماعي الذي نعيشه كمسلمين للأسف الشديد .
حيث طغت المادة فهانت المثل والقيم ، فساءت أخلاقنا وساءت عاداتنا فضعفت بذلك وشائج الاخوة وروابط المودة وشاعت قيم الأنانية والعياذ بالله

وعند مقارنة ماحصل لهذا الرجل من بداية حياته بتعاليم الإسلام السمحة نجدها بعيدة كل البعد عن تعاليم ديننا الإسلام الحنيف ، جعل لليتيم حرمة كبيرة فمن يزدريه ويحتقره وينبذه ، اعتبرته الشريعة الإسلامية مكذباً بها
قال تعالى (( أرأيت الذي يكذب بالدين ، فذلك الذي يدع اليتيم ))
ويقول صلى الله عليه وسلم (( خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه )) .
وللأسف الشديد كم في بيوت المسلمين من أيتام يساء إليهم في هذا الزمن .
وتعتبر بلاشك كفالة اليتيم من أعظم القربات إلى الله ، ويقول صلى الله عليه وسلم (( أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين ، وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى )) .
وعلى الرغم من ذلك الفضل العظيم إلا أننا وللأسف الشديد متهاونين ومتجاهلين ذلك ، نرى الإعلانات الصادرة من مؤسسة الحرمين الخيرية وهيئة الإغاثة الإسلامية والندوة العالمية للشباب الإسلامي التي تحث على كفالة الأيتام وتنادي المسلمين للتبرع لكفالة الأيتام وبمبالغ رمزية في الشهر ونتقاعس عنها ، علماً بأن أغلب أبناء المسلمين في الدول الفقيرة انضموا إلى مؤسسات التنصير بحثاً من الأكل وذلك بعد أن تخلى عنهم إخوانهم المسلمين

والله إن العين لتدمع والقلب ليحزن مما حل بنا ، انعدم التكاتف والتعاون ونزعت الرحمة من قلوبنا ولاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم .

ولاشك أستاذتي القديرة أن القسوة والظلم سبب في تحطيم حياة الإنسان ولعل ماقاله طرفة بن العبد أبلغ وصف للظلم وأثره على النفس الإنسانية :

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ×على النفس من وقع الحسام المهند .
وتقبلي فائق تقديري واحترامي ،،،

رأي متواضع
19-01-2004, 01:11 PM
شكر الله لكم يا أفاضل يا كرام .. ووفقكم ربي لم يحب ويرضى واسكنكم بالفردوس الأعلى ..


الفاضل / الشـــــارف .. حفظكم الله ..


الفاضل / المقـــــــدام .. حفظكم الله ..


الغالية / إبتسامة طفل .. حفظك الله ..


الفاضل / وجــــ صالح ــــدي .. حفظكم الله ..


أشكركم على نبل أحاسيسكم ومشاعركم .. وكريم نفوسكم الحانية ..

وعلى حروفكم المضيئة .. التي انارت جوانب من هذه القصة المؤلمة والمعتمة بالقسوة والظلم .. فلعل بصيص من النور يصل لأمثال هؤلاء .. الذين عذبتهم السنين .. وعذبتهم قسوة وظلم الأقربين ..

و أنهكت قواهم العقلية والجسدية .. قسوة الإنسان لأخية الإنسان .. !!

فهناك فرق ما بين موت الضمير وموت الإنسان .. ؟؟!


لكم محبتي مع الفائض من إمتناني وتقديري لكم ..


أختكــــــــــــــــــم ..