الدكتور فيلسوف
15-11-2002, 12:12 PM
للأسـف سـأضطـر بسبب الحيـز الضيـق لدرجة استيعاب الصفحـة للكلمات و الصـور إلى (( تقسيم القصـة إلى جزئين )) ستتوالى تباعاً في الردود بإذن الله , و للمعلوميـة فحسبمـا حسبتـه شخصيـاً فتحتـاج فقط لأقـل من (( سبع دقائق )) لقراءة القصة كاملة ,,
- 1 -
كـانـت العشـر الأواخـر من العـام قبل المـاضـي , هـي الـزمـن الذي اختـرنـاه أنـا و نفـر من أبنـاء العمـومـة و الأخـوان للعمـرة في رمضـان.
انطلقنـا براً في ما بعـد الفجـر بقليـل |26| , و غـذّينـا المسيـر طيـلـة أغلـب وقـت الصبـاح من دون أن نستفيـد من رخصـة جواز الفطـر في حـال السفـر ( == > ناس عجـّـازة تقضـي ).
دخلنـا حـدود مكـة ما بعـد الظهـر بعـدمـا توقفنـا في الميقـات للاغتسـال و الإحـرام ( ==> يصـلح تعبيـر لكيـف قضيـت عطلتـك ؟;) ).
أوقفتنـا شـرطـة مكـة بسبب الزحـام في مكـة ذلـك الوقـت , و أرشـدتنـا لإيقـاف سيـاراتنـا في المواقـف المخصصـة , فاستقلينـا ( مينـي باص |91| ) الذي حمـلنـا إلى الحـرم , قليلنـا كالعـادة مكبـرين مهـلليـن ملبيـن , و كثيـرنا مسفهـلـين و ما أدري على إيش مسـرحيـن ؟ ( ==> الله أمـرنا إذا بلينـا نستتـر ). ( و معليـش ترى قضـى بنـزيـن الفصحـى , و التـانكـي بدأ يقطـّـع , فلا يكـوننّ منكـم مزيـد تشــّره أو تقـزّز ==> مو تقـزّز بمعنـى امتعـض , بل تقـزّز بمعنـى قـزّز قزاز السيـارة و ما يبي يسمـع شي |535| )
توقـف المينـي باص عنـد بوابـة الحـرم , و هنـا بـدأ السـلوك الحضـاري ( = للأسف لم يستمر طويلاً كالعادة ) في التنظيم و التـوزيـع إلى مجمـوعات و أخـذ الـوعـد للتجمـع في مكـان معيـن بعـد القضـاء من العمـرة. اضطررت بسبب عـادة حضـرتنـا و آفـة النسيـان المقيتـة ( => تصـدقون حقيقـة مرّة نصحنـي عمـي بخـلطـة سحـرية لمكـافحـة النسيـان , قال لي : خـذ مقص و اقـتطـع قطعـة من أذنـك و اطبخهـا ثم كلهـا , عشـان كل مرة تحك أذنـك و تلمـسها مقطوعـة تتذكـّـر أنك نسيـت شيء => هـداك الله يا عمـي , اليوم اللي كتب الله لك تتميلح ضحيـت بابن أخيك ) , و نسيـت اصطحـاب الكمـار ( = حزام يتخـلله جيوب ) لحفـظ النقـود و الأشيـاء الشخصيـة , فاضطررت بسبب ذلـك لإيـداع كمـار ابن عمـي محفظتـي بما فيهـا من النقـود و المفاتيـح و الهـاتف الجـوال.
كان من نصيبـي اصطحـاب إحـدى القريبـات إلي ( و لا يجـي أحدكـم يتـذاكى و يسأل عـن درجـة قربهـا منـي .. لأنهـا قريبـة منـي لدرجـة أننـي أحسّ بأنفـاسهـا الغضبـى تكـاد أن تحـرق شاشـة كمبيوتري حنقـاً أن شهـّـرت بهـا .. لنكنـّهـا بأم أوفـى , كنـايةً عـن شـدّة البـأس و تكسيرهـا لدرج زهير ابن أبي سـلمى عندما اشتكاها في قوله : أمن أم أوفى دمنـة لم تكـلم .... بحومـانـة الدرج اللي قـد تكسـّـرِِ ِ ).
لا أريـد أن أطيـل عليكـم في سـردِ كـمّ الغبطـة الذي احتفيـت بـه و العـون الذي أسـدته لي أمّ أوفى في تيسيـر أركان و واجبات العمـرة , فقـد جعلتنـا ( بسبب تأففهـا من التعـب و النصب و طلبهـا المستمر للجلوس و الراحة ) – من دون ريـاء – أبطـأ أقصـد أخشـع مجمـوعة في أداء الأركـان. و إن كـان من فضـلٍ حقيقـي يعـود لهـا فهـو بكفهـا أذى جمـاعات حمـاية البيئـة و السـلام الأخضـر عنـا , فقـد كانت تمثـل بمفـردها الجنـس الأنثـوي الذي كاد أن ينقرض في تـلك الرحـلة من بين سـواد الذكـور|594| .
لـدى دخـولنا من عنـد إحـدى بوابات الحـرم الشـريف , اشتـدت بينـي و بين ابن عمـي نزعـة الجـدل ( كمـا قلت سابقاً فالسلوك الحضاري غدا أثراً بعد عين ) , فقـد أعمـاه هيلمـان الأمارة الذي بايعنـاه إياه مختـارين و السلطـة علينـا , عـن الاستماع لنصح الشعـب المغـلوب على أمره و إقامـة أمر الشورى !! فقـد أصـدر فرمـاناً بوجوب حفـظ أحـذيتنـا ( تكرمون ) أسفل مقعـد يخص أحد حراس بوابات الحرم. قلـت لـه : يا أيهـا الحكيـم |465| ! كيـف غاب عـن خـلدك أنّ مرتزقـة الأحـذية في الحـرم , أو عمـال النظافـة , أو عوامـل ضيـاع و اختـلاط أنسـاب الحـذاء , سيصيـروا إمكـانية الرجوع بأحذيتنـا سليمـة في حكـم المستحيـل ؟؟!
لا أذكـر من أنـه تمكـن من الـرد علي إلا بحجـج واهيـة من شـاكلة : أنهـا ستكون بمـأمن تحـت كرسي الحـارس هـذا !!! و سبحـان من خـلق السماوات بغيـر عمـد , و خلق كرسي الأمـارة الذي أوهم ابن عمي بأن يتخيـل هذا الحارس البائس مكلفـاً بحراسـة نعلـه إلى جانـب حراستـه لبوابة البيت العتيق ! المهـم , فقد كانت حججـاً قصـد بهـا إنهـاء الجـدال أكثر من كونهـا وسيـلة إقنـاع , و قصـد التـلذذ برؤيتي خاضعـاً لسيف سلطتـه أكثر من إنارة درب حيرتي بضـوء حجتـه.... تحسـّـبت و حوقلـت , و كبـّـرت على مقبرة أحذيتنـا , و حكمـة ابن عمي في ذلك الموقـف أربعـاً , و شـددت على يـد أم أوفى متجهـاً بالعزم لإكمـال العمـرة.
لم يكن كثير عـُجـبٍ أو شـديد حيـرة إذاً, أن لا أجـد في تضـاريس طلل المكـان الذي أودعـت فيـه أحذيتنـا أي أثـر لهـا. لكنـي رغـم قنـاعتـي بأنـي لن أجـدها في ذلك المكان , فقـد ذهبت و بحثـت بكـل جـد و عـزم , حـالي كان كحـال المنتحـر يقـدم على الانتحـار و كله يقيـن من أنـه سينـدم في لحظـات ما قبل ارتطـام جسـده بالأرض , و حـالي كان كحـال الشعـوب العربيـة التـي أظنها تتمنى أن لو افتقدت قدرة التفكير كما فقـدت القدرة على التخيير و التسيير. حقيقـة لولا أنه لا يجوز في ذلك المكان إلا الهتاف بلبيـك اللهم لبيـك , لهتفـت محييـاً حكمـة ابن عمي و عمق نظرتـه ( مقارعـاً بالمثـل لذلـك الذي هاتـف المذيـع المحبـط في برنـامجـه التعيس المعنون بـ- هل من بصيص أمل للعرب للخروج من مأزق الضعة و التخـلف- , أخذ ذلك المهاتف بنبرة حماسيـة عربيـة أصيـلة |21| : نعم يا مذيع ! أبشر فهنـاك البصيص الأكيـد و الأمل السعيـد تحت لواء قائـدنا الرئيس صـدام , الذي سيقودنـا للنصر في أم المعـارك ضد أمريكـا ,,,, ).
بعدما يأست من الحذاء , و يأست و أنا انتظر لعـل أحداً من رفقـاء السفـر يظهر ليسعفنـي بريالات تذكرت أسفاً خواء جيبي منهـا , لكي أحلق الشعر أو أشري حذاءاً آخـر , توجهـت مع أم أوفى إلى آخر المسعـى , و بعـد تـردد و منـاجاة للنفـس وجـدتني لا خيـار آخر أمامي من التقـدم لإحـدى كبيرات السن المصـريات قائلاً : معليش يا حقـّـه ممكن المأص شـويـّـه ؟ فأعطتني إياه ممتنـة , فقصصت من جميع أنحاء شعـري ما قصصت و قصرت ( إذ التقصير لا القص السطحي فقط هو المشروع و الحلق أفضل والله أعلم ) و قصصت لأم أوفى.
و كانت مزيـة تضـاف إلى ميزات فترة ولايـة ابن العـم |166| العـابرة , أنـه قد سـنّ القوانيـن الحرفيـة , و قنـّـن لشعبـه ( الذي هو الأدرى بمصلحتـه ) كل أمـر و حكم , و لم يترك لشعبـه حـق الاجتهـاد إلا بما يخـص قضيـة زمن و وقـت التجمـع من جديـد في المكـان الذي حدده هو سلفـاً. و يا ليت بساط حكمه الديكتـاتوري امتـد قليـلاً ليشمـل ذلك الأمـر أيضا , و الذي بسببـه اعتـرى رؤيتي و بصيرتي ما اعتراها من الضبابيـة و الاضطراب . فقـد كانت الثـلث أو النصـف سـاعة فقط هـي ما تفصلنـا عـن أذان صـلاة العصـر , و لم أعـد أدري !؟ أيمكـن للصحـب أنهـم يكونون الآن مجتمعـين في مكـان الوعـد و أنهـم جلوس ينتظـروننـا و ينتظـرون خطو مجموعتنـا المتثـاقل ( => بركات أم أوفى ) , أم أنهـم قـد قرروا الانتظار إلى ما بعـد صـلاة العصـر ؟ لم أكـن لأرجـح أحـد الاحتمالين في غيـاب هـاتفي الجوال إلا و قد بنيتـه على الظـن الذي لا يغنـي من الحق شيئـاً. مـال ظني مـع أول الاحتمالين , فعقـدت العـزم على زيـارة مكـان التجمـع ممنيـاً النفـس بـ عسـى و أخواتهـا...
تذكـرت في سيـري للمكـان الذي احتجـت للسيـر إليـه قرابـة الثلاثمـائـة و نيـف متـراً الأب الروحـي لأبو هنـود السيـر غـاندي |234| , فلم يكن من اختلاف بيننا في تمثلي لهيئتـه الخـارجيـة ساعتها من لباسنا الأبيض و نظارتينا و مشينا حفاة الأقدام أصلعين , إلا كونه نحيـف القامة و كوني .... ( => بلاش فضايح ) و كون حليب معزته الهندية بجانبه و أنا يجاورني محلات الشاورما التي منعني عنها الصيام و اختفاء النقود. على العموم , و إن كان ظاهري الزهد و الخشوع , فقد كانـت مراجلي الداخليـة تغلي تبعـاً لدرجة شواء قدمي الحافيتين من لهيب الرخام و الإسفلت ( على فكرة : اكتشفت و براءة الاكتشاف تعود لقدمي – تكرمون – في ذلك الوقت , أن جودة الرخام الممانع للحرارة في صحن الحرم , تختلف عنها عن الرخام الأقل ثمنـا خارج أسواره ) , و تبعاً لخزات الألم من وقع الحصى الصغير و المدبب كرؤوس الدبابيس و المنتشر انتشار نمل سليمان على الإسفلت.
كالعـادة لم تنفعنـي لا عسى و لا أخواتهـا و أنا أنتظـرهـم في مكـان التجمـع , و هـا هو المؤذن يؤذن لصـلاة العصـر , و هـاهم النـاس يتقـاطرون على البيت الحـرام من كل فج و صوب , و لم يمنعهـم من اكتشـاف حفـي قدمـي |85| و النظـر لأسفـل إما عنكبوت أو حمـامة الغـار النبوي , بل الزحـام و توسيعي من دائرة إحرامي السفلية علهـا تستر ما امتحنتني به أقدار العليم الخبير. همزتني أم أوفى بإشارة فهمت منها بأنها توافق على ما كان يعتمل من رأي في صدري حينها , و أنه لا خيار لنا إلا الرجوع مرة أخرى للحرم لأداء الصلاة .
- 1 -
كـانـت العشـر الأواخـر من العـام قبل المـاضـي , هـي الـزمـن الذي اختـرنـاه أنـا و نفـر من أبنـاء العمـومـة و الأخـوان للعمـرة في رمضـان.
انطلقنـا براً في ما بعـد الفجـر بقليـل |26| , و غـذّينـا المسيـر طيـلـة أغلـب وقـت الصبـاح من دون أن نستفيـد من رخصـة جواز الفطـر في حـال السفـر ( == > ناس عجـّـازة تقضـي ).
دخلنـا حـدود مكـة ما بعـد الظهـر بعـدمـا توقفنـا في الميقـات للاغتسـال و الإحـرام ( ==> يصـلح تعبيـر لكيـف قضيـت عطلتـك ؟;) ).
أوقفتنـا شـرطـة مكـة بسبب الزحـام في مكـة ذلـك الوقـت , و أرشـدتنـا لإيقـاف سيـاراتنـا في المواقـف المخصصـة , فاستقلينـا ( مينـي باص |91| ) الذي حمـلنـا إلى الحـرم , قليلنـا كالعـادة مكبـرين مهـلليـن ملبيـن , و كثيـرنا مسفهـلـين و ما أدري على إيش مسـرحيـن ؟ ( ==> الله أمـرنا إذا بلينـا نستتـر ). ( و معليـش ترى قضـى بنـزيـن الفصحـى , و التـانكـي بدأ يقطـّـع , فلا يكـوننّ منكـم مزيـد تشــّره أو تقـزّز ==> مو تقـزّز بمعنـى امتعـض , بل تقـزّز بمعنـى قـزّز قزاز السيـارة و ما يبي يسمـع شي |535| )
توقـف المينـي باص عنـد بوابـة الحـرم , و هنـا بـدأ السـلوك الحضـاري ( = للأسف لم يستمر طويلاً كالعادة ) في التنظيم و التـوزيـع إلى مجمـوعات و أخـذ الـوعـد للتجمـع في مكـان معيـن بعـد القضـاء من العمـرة. اضطررت بسبب عـادة حضـرتنـا و آفـة النسيـان المقيتـة ( => تصـدقون حقيقـة مرّة نصحنـي عمـي بخـلطـة سحـرية لمكـافحـة النسيـان , قال لي : خـذ مقص و اقـتطـع قطعـة من أذنـك و اطبخهـا ثم كلهـا , عشـان كل مرة تحك أذنـك و تلمـسها مقطوعـة تتذكـّـر أنك نسيـت شيء => هـداك الله يا عمـي , اليوم اللي كتب الله لك تتميلح ضحيـت بابن أخيك ) , و نسيـت اصطحـاب الكمـار ( = حزام يتخـلله جيوب ) لحفـظ النقـود و الأشيـاء الشخصيـة , فاضطررت بسبب ذلـك لإيـداع كمـار ابن عمـي محفظتـي بما فيهـا من النقـود و المفاتيـح و الهـاتف الجـوال.
كان من نصيبـي اصطحـاب إحـدى القريبـات إلي ( و لا يجـي أحدكـم يتـذاكى و يسأل عـن درجـة قربهـا منـي .. لأنهـا قريبـة منـي لدرجـة أننـي أحسّ بأنفـاسهـا الغضبـى تكـاد أن تحـرق شاشـة كمبيوتري حنقـاً أن شهـّـرت بهـا .. لنكنـّهـا بأم أوفـى , كنـايةً عـن شـدّة البـأس و تكسيرهـا لدرج زهير ابن أبي سـلمى عندما اشتكاها في قوله : أمن أم أوفى دمنـة لم تكـلم .... بحومـانـة الدرج اللي قـد تكسـّـرِِ ِ ).
لا أريـد أن أطيـل عليكـم في سـردِ كـمّ الغبطـة الذي احتفيـت بـه و العـون الذي أسـدته لي أمّ أوفى في تيسيـر أركان و واجبات العمـرة , فقـد جعلتنـا ( بسبب تأففهـا من التعـب و النصب و طلبهـا المستمر للجلوس و الراحة ) – من دون ريـاء – أبطـأ أقصـد أخشـع مجمـوعة في أداء الأركـان. و إن كـان من فضـلٍ حقيقـي يعـود لهـا فهـو بكفهـا أذى جمـاعات حمـاية البيئـة و السـلام الأخضـر عنـا , فقـد كانت تمثـل بمفـردها الجنـس الأنثـوي الذي كاد أن ينقرض في تـلك الرحـلة من بين سـواد الذكـور|594| .
لـدى دخـولنا من عنـد إحـدى بوابات الحـرم الشـريف , اشتـدت بينـي و بين ابن عمـي نزعـة الجـدل ( كمـا قلت سابقاً فالسلوك الحضاري غدا أثراً بعد عين ) , فقـد أعمـاه هيلمـان الأمارة الذي بايعنـاه إياه مختـارين و السلطـة علينـا , عـن الاستماع لنصح الشعـب المغـلوب على أمره و إقامـة أمر الشورى !! فقـد أصـدر فرمـاناً بوجوب حفـظ أحـذيتنـا ( تكرمون ) أسفل مقعـد يخص أحد حراس بوابات الحرم. قلـت لـه : يا أيهـا الحكيـم |465| ! كيـف غاب عـن خـلدك أنّ مرتزقـة الأحـذية في الحـرم , أو عمـال النظافـة , أو عوامـل ضيـاع و اختـلاط أنسـاب الحـذاء , سيصيـروا إمكـانية الرجوع بأحذيتنـا سليمـة في حكـم المستحيـل ؟؟!
لا أذكـر من أنـه تمكـن من الـرد علي إلا بحجـج واهيـة من شـاكلة : أنهـا ستكون بمـأمن تحـت كرسي الحـارس هـذا !!! و سبحـان من خـلق السماوات بغيـر عمـد , و خلق كرسي الأمـارة الذي أوهم ابن عمي بأن يتخيـل هذا الحارس البائس مكلفـاً بحراسـة نعلـه إلى جانـب حراستـه لبوابة البيت العتيق ! المهـم , فقد كانت حججـاً قصـد بهـا إنهـاء الجـدال أكثر من كونهـا وسيـلة إقنـاع , و قصـد التـلذذ برؤيتي خاضعـاً لسيف سلطتـه أكثر من إنارة درب حيرتي بضـوء حجتـه.... تحسـّـبت و حوقلـت , و كبـّـرت على مقبرة أحذيتنـا , و حكمـة ابن عمي في ذلك الموقـف أربعـاً , و شـددت على يـد أم أوفى متجهـاً بالعزم لإكمـال العمـرة.
لم يكن كثير عـُجـبٍ أو شـديد حيـرة إذاً, أن لا أجـد في تضـاريس طلل المكـان الذي أودعـت فيـه أحذيتنـا أي أثـر لهـا. لكنـي رغـم قنـاعتـي بأنـي لن أجـدها في ذلك المكان , فقـد ذهبت و بحثـت بكـل جـد و عـزم , حـالي كان كحـال المنتحـر يقـدم على الانتحـار و كله يقيـن من أنـه سينـدم في لحظـات ما قبل ارتطـام جسـده بالأرض , و حـالي كان كحـال الشعـوب العربيـة التـي أظنها تتمنى أن لو افتقدت قدرة التفكير كما فقـدت القدرة على التخيير و التسيير. حقيقـة لولا أنه لا يجوز في ذلك المكان إلا الهتاف بلبيـك اللهم لبيـك , لهتفـت محييـاً حكمـة ابن عمي و عمق نظرتـه ( مقارعـاً بالمثـل لذلـك الذي هاتـف المذيـع المحبـط في برنـامجـه التعيس المعنون بـ- هل من بصيص أمل للعرب للخروج من مأزق الضعة و التخـلف- , أخذ ذلك المهاتف بنبرة حماسيـة عربيـة أصيـلة |21| : نعم يا مذيع ! أبشر فهنـاك البصيص الأكيـد و الأمل السعيـد تحت لواء قائـدنا الرئيس صـدام , الذي سيقودنـا للنصر في أم المعـارك ضد أمريكـا ,,,, ).
بعدما يأست من الحذاء , و يأست و أنا انتظر لعـل أحداً من رفقـاء السفـر يظهر ليسعفنـي بريالات تذكرت أسفاً خواء جيبي منهـا , لكي أحلق الشعر أو أشري حذاءاً آخـر , توجهـت مع أم أوفى إلى آخر المسعـى , و بعـد تـردد و منـاجاة للنفـس وجـدتني لا خيـار آخر أمامي من التقـدم لإحـدى كبيرات السن المصـريات قائلاً : معليش يا حقـّـه ممكن المأص شـويـّـه ؟ فأعطتني إياه ممتنـة , فقصصت من جميع أنحاء شعـري ما قصصت و قصرت ( إذ التقصير لا القص السطحي فقط هو المشروع و الحلق أفضل والله أعلم ) و قصصت لأم أوفى.
و كانت مزيـة تضـاف إلى ميزات فترة ولايـة ابن العـم |166| العـابرة , أنـه قد سـنّ القوانيـن الحرفيـة , و قنـّـن لشعبـه ( الذي هو الأدرى بمصلحتـه ) كل أمـر و حكم , و لم يترك لشعبـه حـق الاجتهـاد إلا بما يخـص قضيـة زمن و وقـت التجمـع من جديـد في المكـان الذي حدده هو سلفـاً. و يا ليت بساط حكمه الديكتـاتوري امتـد قليـلاً ليشمـل ذلك الأمـر أيضا , و الذي بسببـه اعتـرى رؤيتي و بصيرتي ما اعتراها من الضبابيـة و الاضطراب . فقـد كانت الثـلث أو النصـف سـاعة فقط هـي ما تفصلنـا عـن أذان صـلاة العصـر , و لم أعـد أدري !؟ أيمكـن للصحـب أنهـم يكونون الآن مجتمعـين في مكـان الوعـد و أنهـم جلوس ينتظـروننـا و ينتظـرون خطو مجموعتنـا المتثـاقل ( => بركات أم أوفى ) , أم أنهـم قـد قرروا الانتظار إلى ما بعـد صـلاة العصـر ؟ لم أكـن لأرجـح أحـد الاحتمالين في غيـاب هـاتفي الجوال إلا و قد بنيتـه على الظـن الذي لا يغنـي من الحق شيئـاً. مـال ظني مـع أول الاحتمالين , فعقـدت العـزم على زيـارة مكـان التجمـع ممنيـاً النفـس بـ عسـى و أخواتهـا...
تذكـرت في سيـري للمكـان الذي احتجـت للسيـر إليـه قرابـة الثلاثمـائـة و نيـف متـراً الأب الروحـي لأبو هنـود السيـر غـاندي |234| , فلم يكن من اختلاف بيننا في تمثلي لهيئتـه الخـارجيـة ساعتها من لباسنا الأبيض و نظارتينا و مشينا حفاة الأقدام أصلعين , إلا كونه نحيـف القامة و كوني .... ( => بلاش فضايح ) و كون حليب معزته الهندية بجانبه و أنا يجاورني محلات الشاورما التي منعني عنها الصيام و اختفاء النقود. على العموم , و إن كان ظاهري الزهد و الخشوع , فقد كانـت مراجلي الداخليـة تغلي تبعـاً لدرجة شواء قدمي الحافيتين من لهيب الرخام و الإسفلت ( على فكرة : اكتشفت و براءة الاكتشاف تعود لقدمي – تكرمون – في ذلك الوقت , أن جودة الرخام الممانع للحرارة في صحن الحرم , تختلف عنها عن الرخام الأقل ثمنـا خارج أسواره ) , و تبعاً لخزات الألم من وقع الحصى الصغير و المدبب كرؤوس الدبابيس و المنتشر انتشار نمل سليمان على الإسفلت.
كالعـادة لم تنفعنـي لا عسى و لا أخواتهـا و أنا أنتظـرهـم في مكـان التجمـع , و هـا هو المؤذن يؤذن لصـلاة العصـر , و هـاهم النـاس يتقـاطرون على البيت الحـرام من كل فج و صوب , و لم يمنعهـم من اكتشـاف حفـي قدمـي |85| و النظـر لأسفـل إما عنكبوت أو حمـامة الغـار النبوي , بل الزحـام و توسيعي من دائرة إحرامي السفلية علهـا تستر ما امتحنتني به أقدار العليم الخبير. همزتني أم أوفى بإشارة فهمت منها بأنها توافق على ما كان يعتمل من رأي في صدري حينها , و أنه لا خيار لنا إلا الرجوع مرة أخرى للحرم لأداء الصلاة .