دنيا الجراح
20-02-2003, 11:45 AM
( الوقت مال الله، وحرام على الإنسان أن يضيعه)
في واحد من اللقاءات الثقافية طرحت إحدى الأمهات سؤالاً يتعلق بمشكلة، تكاد أن تكون عامة، تلف بثقل ظلها كل أسرة عربية وغير عربية مسلمة وغير مسلمة، والسؤال: "ماذا نفعل لنمنع أطفالنا من مشاهدة التلفزيون، والاهتمام بالدراسة وشئون دينهم؟".
إنها مشكلة العصر المتسارع في النمو والتطور، والتي تنطلق بسرعة لا تسمح لنا بإلتقاط الأنفاس كي نراجع أنفسنا نحن الكبار، آباء وأمهات، أو على الأقل، لكي نعد العدة، ونتعرف السبيل القويم، لنستطيع التكيف مع هذا الجديد، كل جديد يتغير من حولنا، ولعل المشكلة الكبيرة التي تتصدر قائمة المشكلات. إنه التلفاز.
ولكي نبحث في هذه المشكلة البالغة التعقيد والتأثير، لابد لنا من التعرف على طبيعة هذه الآلة العجيبة، ونتعرف أولاً على طبيعة نفس الإنسان طفلاً صغيراً، وشاباً يافعاً، ورجلاً كبيراً، ونتعرف أبعاد الحضارة التي نعيشها، ونتعرف بعض الأسس الأولية ذات العلاقة بهندسة السلوك البشري، وشيئاً ما عن تقويم السلوك، لندرك بعد كل ذلك عمق فاعلية التلفاز وتأثيره في النفس البشرية، صغاراً وكباراً، أميين ومثقفين ذكوراً وإناثاً.
طبيعة التلفزيون:
إنه امتداد طبيعي لما كان يدعى بالكرة الزجاجية السحرية التي تحدث عنها الأدب القديم والتي برزت في قصص سندباد. كما أنها امتداد أيضاً لبعض ألعاب السحرة والمنجمين، الذين يبصرون بالفنجان، أو يدعون الوسيط الذي يرى مالا يراه الآخرون على سطح الزيت الموجود في الفنجان الصغير، أو هو نموذج حي لصندوق الدنيا، وأنواع التمثيل انطلاقاً من خيال الظل، ومسرح العرائس، الجاوي منه والقفازي، والخيطي، والتمثيل على المسرح بأنواعه المتنوعة، الواقعي والإيهامي، لأنها جميعاً وحيدة الاتجاه في الاتصال، ولعل البعض منا يتذكر عندما كنا صغار السن، كيف كان صوت صاحب صندوق الدنيا يشدنا إليه من بعيد، فنتسابق مسرعي الخطى، لكي يكون كل واحد منا، هو الأول الذي يحظى بإحدى نوافذه قبل أن يحتلها طفل آخر. ويستقر صوت صاحبنا بهدوء وتوافق عجيب مع استقرار وهدوء صخب وضجيج الأطفال، بعد أن اطمأن إلى أن كل طفل استقر على الكرسي الخشبي وعيونه ملتصقة بالعدسة الزجاجية، تلك النافذة التي كنا نرى من خلالها عجائب الدنيا السبع، ونسبح أو نطير في عالم من الخيال والأوهام وتتغير حالنا مع تغير وتيرة صوته مع العرض المشوق الأخاذ.. "تعال اتفرج يا سلام، على عجايب الزمان" ألم يكن هذا هو تلفزيون الماضي غير البعيد، الذي كنا ننتظر مجيئه لحارتنا، بفارغ الصبر، حتى إذا ما جاء متمايلاً استقبلناه بالأصوات الفرحة والأهازيج، لنفوز بنظرة ونتفرج على الشريط المصور عبر النافذة الزجاجية المجسمة.
قارني معي أيتها الأم الفاضلة، هاتين اللوحتين المتماثلتين، لوحة تلفزيون الحاضر، ولوحة تلفزيون الماضي .. صندوق الدنيا، إنك ولا شك ستقولين معي بتعجب محبب هذه حال الدنيا، جانب منها نعيشه ببعد واقعي حي، وجانب آخر نعيشه من خلال بعد تمثيلي ترفيهي، وكلاهما يلعبان بنا، عبر أبعاد الزمان أو عبر أبعاد المكان ينقل إلينا واحد منهما جانباً من الحياة بعيد عن ساحة الحياة الواقعية، وما التلفاز الذي تتخوفين منه إلا صورة أخرى مطورة لصندوق الدنيا، والفارق بين الاثنين أن الأول كان خفيف الظل يزورنا غبا على استحياء، ونزداد به شوقاً وحباً، وأما الثاني فهو ضيف ثقيل الظل مستمر الحضور، يكاد لا يفارق أعيننا المتعلقة به أبداً. وهو الذي تتخوفين منه على مستقبل الأبناء بسبب من قوة تأثيره وجذبه وتنوع صوره وبراعة إخراجه، وسحر أسلوبه، وقدرته على تناول الموضوعات وتحليلها ودقة التحكم في عرضها، بصورة تجعل المشاهد منا يذوب أو ينحل في بعد من أبعاد الزمن غير المتحرك والذي يسيطر على كامل الحس والشعور لدرجة يتوقف معها القلب والتنفس عن الحركة. والجميع من حوله خشب مسندة، لا تسمع لهم نبساً ولا تشعر بوجودهم لأن كل شيء قد استقر في أمان وتوقف الزمن، فلا يعلو صوت فوق صوته. لأن الحياة تجمدت حتى تحين اللحظة التي تدق فيها ساعة الصفر، مخترقة صمت الوجود، معلنة "النهاية .. (The End عندما تتحرك الأجفان بعد أن تتلاعب بها من وقع حالة الإغماء اللاإرادي أو الإرادي، التي نسوق أنفسنا إليها سوقاً بأيدينا، وكأننا أناس في تلك الفترة كنا تحت تأثير المنوم المغناطيسي البارع الأداء (دانيال هوم) نعم هذا هو التلفاز أو قل التلفزيون.. النافذة السحرية التي أصبحنا، وبالفعل نطل منها على العالم. وإن ننس لا ننس القدرة الفائقة التي حملتها لنا قناة الـ CNN أثناء حرب الخليج، التي كانت تعرض فاعلية صورة من صور الحرب الرقمية. نتابع الصاروخ بدءاً من لحظة انطلاقه حتى نقطة إصابته الهدف وبدقة متناهية. فإذا أضفنا لهذه القدرة طاقة خلاقة مبدعة حين امتزجت وتفاعلت أجهزة التصوير التلفزيوني مع قدرات الكمبيوتر الهائلة في تحوير المشاهد بالصورة والشكل، وضمن حدود زمنية آنية لا يكاد العقل يصدق ما يشاهده بأم الحس.. ومكمن الخطورة هنا في تحريف الحقائق وتزييفها.. وعند هذه النقطة يحسن بي أن أشير لكلمة كنت أرددها على مسامع طلابي في الجامعة، "ليحرص كل واحد منكم دائماً وأبداً على تحري الحقيقة في كل كلمة تقولها للطفل، وفي أي عمر زمني كان عليه هذا المتعلم، لأنك مرب ومعلم، والمعلم المربي صادق التوجه، وإن الأرض التي نخسرها في حرب، يمكن استرجاعها في أي وقت، وفي حرب مماثلة، أما فكر الطفل وعقل المتعلم إذا ضلل وتاه عن الحقيقة فقد رشده، وانحرف عن الصراط، إياكم وتضليل الفكر فهو الذي يهلك الأمم والشعوب"، وإذا ما أضفنا إلى التلفزيون طاقات وقدرات إبداعية فائقة التصور، من إدراك المشاهد من خلال البعد الثالث، بل وإدخال تأثيرات في أبعاد الحواس الأخرى كالشم والتذوق.. إلخ.. إذاً لعرفنا لم يتسمر الأبناء أمام شاشته الصغيرة، الكبيرة النفوذ والتأثير، والبالغة الشد والجذب، بلا حراك، ولما ظهرت المشكلة بهذا الشكل من البشاعة المقيتة، ولكن وبقدر بسيط من الموضوعية والصراحة مع الذات، لتتأمل الأم نفسها، وليتأمل الأب ذاته، كم من الساعات الطوال يجلس كل واحد منهما أمام التلفزيون، وفي أحيان كثيرة تكون مشاهد التلفاز خلسة، بعيداً عن عيون الأبناء، ولتكن نقطة انطلاقنا في البحث عن حل للمشكلة المطروحة، هو أن تبدأ من الأبعاد الواقعية والحقيقية لها. لنفهم طبيعتها، لأن هذا الفهم شرط أساسي لكل من يبحث معنا عن حل لهذه المشكلة المعقدة، والأم والأب هم الشركاء الحقيقيون في البحث عن حلول ممكنة لهذه المشكلة. وإن كانت الأم والأب بحكم العلاقة العاطفية التي تربط بينهما وبين الأبناء يكونان غير قادرين على تشخيص المشكلة عند الأبناء، ولكنهما الأقدر على متابعة تطبيق العلاج والسهر على تقديم الدواء.
بعض الحقائق:
وقبل البحث في الحلول الممكنة للتغلب على هذه المشكلة التي تزداد اتساعاً وتضخماً، ولكونها أشد فتكاً وتدميراً من أية آفة مرضية عرفتها البشرية. وكما تشير الدراسات إلى أن الطفل الأمريكي قبل انتهاء مرحلة دراسته الابتدائية يكون قد شاهد حوالي 8000 ثمانية آلاف جريمة قتل على شاشة التلفزيون، وإذا عرفنا أثر ذلك العنف على نفسية الشباب أدركنا خطورة ما تعرضه الشاشة الصغيرة، وكما يقول رئيس الرابطة الأمريكية النفسية للشباب والعنف د. ليونارد ريرون: "لقد أصبح واضحاً للمجتمع وبدون أدنى شك أن التعرض الزائد للعنف التلفازي هو أحد الأسباب المهمة وراء تفشي السلوك العدواني والجريمة والعنف". ومع ذلك فليكن بحثنا منصباً ليس على منع أو إلغاء أو تحريم أو إغلاق هذه النافذة التي نطل منها على العالم، بل أن نبحث عن حلول ممكنة نتحكم بها عليها ونحولها إلى عالم غني بالمعرفة مفيد للكبار والصغار، وليكن مركز الصدارة في حل هذه المشكلة قدرتنا على استخدام التربية كسلاح فعال في الهندسة السلوكية، في قدرتنا على تحويلها إلى أداة مفيدة.
قوة تأثير التلفزيون:
لا يمكننا نحن الكبار، آباء وأمهات ومسؤولين عن الأطفال والأبناء، من أن نغمض أعيننا ونغلق عقولنا ونتجاهل قوة تأثير التلفزيون علينا.. حتى لو كانت هناك خطة متفق عليها بين الأم والأب على ضرورة إغلاق التلفزيون وعدم تشغيله أمام الأطفال، بل عدم إحضاره للبيت، ولو فعلت ذلك ليكن في علمك أن هذا الجهاز موجود في كل بيت، وسيراه ابنك في بيت صديق له، أو في بيت عمه، وليعلم الجميع بأنه قد تجد في البيت الواحد عدداً من الأجهزة، لا جهازاً واحداً، ولنتأمل تلك الأم التي قالت لزوجها وبغضب شديد دع كل ولد يذهب إلى مكتبه، (إنا بدي أشوف التلفزيون، بدي أكمل المسلسل..) نعم هذا ما حدث مع إحدى الأمهات، وبالتحديد إحدى الأمهات الحريصات على مستقبل أبنائها، ولكن هذا هو الواقع.
عدد الساعات التي نقضيها أمام التلفزيون:
تشير بعض الإحصائيات إلى أن الإنسان عندما يبلغ العشرين من العمر يكون قد تعرض لما لا يقل عن عشرين ألف ساعة بث تلفزيوني، وقد لا يعني هذا العدد من الساعات شيئاً، اللهم إلا إذا علمنا بأن عدد الساعات التي يحتاجها الدارس لنيل درجة البكالوريوس هي في حدود خمسة آلاف ساعة. وإن عشرة آلاف ساعة من الدراسة تكفي لتحقيق أعظم الأحلام في الحصول على شهادات وتعلم لغات، بل ودراسة الكثير مما كتب في الآداب والشعر. وقصة الكتاب المشهور لأحد الاقتصاديين الألمان والذي سماه "خمس دقائق قبل الطعام" وسر شهرته المتعلقة بكتابه، كونه استغل الدقائق الخمس التي كان يجلس فيها إلى مائدة الطعام منتظراً فيها زوجته وهي تعد وتضع معدات ومواد الطعام على المنضدة، ففكر في أن لا يضيع هذا الوقت في الانتظار دون عمل، فكتب الخواطر الفكرية التي تلمس عقله ووجدانه خلال دقائق الانتظار.. وكان من نتائج هذه الدقائق الخمس هذا الكتاب الشهير.
الانتباه والتلفزيون:
يوقف حاسة النبض التي تدل على الحياة، والمشاهد يدخل في دوامة التعود والسكون.. وهو يقدم لنا متعة آنية سهلة ويشغل وقتنا وكأننا في واحدة من حالات فقدان الحس والحركة إلى حين.. إننا والحال هذه مخدرون.. ولذا كان التلفزيون أبعد أثراً وأكثر ضرراً عند من كان ضعيف القدرة في التحكم بانتباهه وإرادته وإدارة وقته، فهو يقضي على البقية الباقية من الملاحظة والانتباه والجهد المنتج. ومن هنا استغلت شركات الدعاية والإعلان هذه النقطة.. وعملت بكل طاقاتها على شد انتباه المشاهد عن طريق المنوعات والمسلسلات التي تجبرنا على متابعتها.. ما أن تنتهي حلقة إلا ويلفت المذيع انتباهك ويذكرك بأنه بعد لحظات تبدأ حلقة مشوقة من مسلسل آخر.. والإنسان بطبعه فضولي محب للاستطلاع، التلفزيون يسلبنا أغلى ما لدينا من فعالية ونشاط، وكل هذا من أجل تقديم الدعايات والإعلانات، وبصورة دقيقة ومبرمجة محسوبة لديهم بالدقيقة والثانية، لأنها تدر عليهم أموالاً طائلة.
التلفزيون والعمل المنتج:
وهنا يحسن بي ذكر مقولة يرددها أحد أصدقائي الحميمين: "الوقت مال الله وحرام على الإنسان أن يضيع مال الله" نعم هذا القول فيه عين الصواب، لا سيما نحن العرب الذين نوصم دائماً وأبداً بفقدان الهمة والقابلية والشهية للعمل، ونتهم بالكسل الكسول والمتراخي. لأن إنتاجية العربي تقدر بـ 46 دقيقة في اليوم، بينما إنتاجية الياباني فتقدر بـ 16 ساعة عمل.. أمر مثير للغاية ويبدو أن التلفزيون له نصيب في هذا الأمر فوق ما ابتلينا به وورثناه عن الأولين السابقين.
برامج التلفزيون:
مدروسة بذكاء عال بحيث أن كل برنامج لا يسمح لك أن تغادر شاشته الصغيرة، ومنوعاته تسبح بك في عالم من الأوهام والخيالات.. والأمم والشعوب، بل وكل إنسان مغلوب على أمره تجده يقضي الساعات الطوال في أوهام وأحلام يقظة.. والتلفزيون من هذه الزاوية برمجته عالية الدقة محسوبة بالثانية والدقيقة ومرتبة بصورة تغتصب وقتك الثمين بكل اقتدار، برامج مختصرة وسريعة، برامج لا تطلب من المشاهد أن يركز انتباهه لأكثر من دقائق في الموضوع الواحد.
تليه تكملة في الرد الآتي
في واحد من اللقاءات الثقافية طرحت إحدى الأمهات سؤالاً يتعلق بمشكلة، تكاد أن تكون عامة، تلف بثقل ظلها كل أسرة عربية وغير عربية مسلمة وغير مسلمة، والسؤال: "ماذا نفعل لنمنع أطفالنا من مشاهدة التلفزيون، والاهتمام بالدراسة وشئون دينهم؟".
إنها مشكلة العصر المتسارع في النمو والتطور، والتي تنطلق بسرعة لا تسمح لنا بإلتقاط الأنفاس كي نراجع أنفسنا نحن الكبار، آباء وأمهات، أو على الأقل، لكي نعد العدة، ونتعرف السبيل القويم، لنستطيع التكيف مع هذا الجديد، كل جديد يتغير من حولنا، ولعل المشكلة الكبيرة التي تتصدر قائمة المشكلات. إنه التلفاز.
ولكي نبحث في هذه المشكلة البالغة التعقيد والتأثير، لابد لنا من التعرف على طبيعة هذه الآلة العجيبة، ونتعرف أولاً على طبيعة نفس الإنسان طفلاً صغيراً، وشاباً يافعاً، ورجلاً كبيراً، ونتعرف أبعاد الحضارة التي نعيشها، ونتعرف بعض الأسس الأولية ذات العلاقة بهندسة السلوك البشري، وشيئاً ما عن تقويم السلوك، لندرك بعد كل ذلك عمق فاعلية التلفاز وتأثيره في النفس البشرية، صغاراً وكباراً، أميين ومثقفين ذكوراً وإناثاً.
طبيعة التلفزيون:
إنه امتداد طبيعي لما كان يدعى بالكرة الزجاجية السحرية التي تحدث عنها الأدب القديم والتي برزت في قصص سندباد. كما أنها امتداد أيضاً لبعض ألعاب السحرة والمنجمين، الذين يبصرون بالفنجان، أو يدعون الوسيط الذي يرى مالا يراه الآخرون على سطح الزيت الموجود في الفنجان الصغير، أو هو نموذج حي لصندوق الدنيا، وأنواع التمثيل انطلاقاً من خيال الظل، ومسرح العرائس، الجاوي منه والقفازي، والخيطي، والتمثيل على المسرح بأنواعه المتنوعة، الواقعي والإيهامي، لأنها جميعاً وحيدة الاتجاه في الاتصال، ولعل البعض منا يتذكر عندما كنا صغار السن، كيف كان صوت صاحب صندوق الدنيا يشدنا إليه من بعيد، فنتسابق مسرعي الخطى، لكي يكون كل واحد منا، هو الأول الذي يحظى بإحدى نوافذه قبل أن يحتلها طفل آخر. ويستقر صوت صاحبنا بهدوء وتوافق عجيب مع استقرار وهدوء صخب وضجيج الأطفال، بعد أن اطمأن إلى أن كل طفل استقر على الكرسي الخشبي وعيونه ملتصقة بالعدسة الزجاجية، تلك النافذة التي كنا نرى من خلالها عجائب الدنيا السبع، ونسبح أو نطير في عالم من الخيال والأوهام وتتغير حالنا مع تغير وتيرة صوته مع العرض المشوق الأخاذ.. "تعال اتفرج يا سلام، على عجايب الزمان" ألم يكن هذا هو تلفزيون الماضي غير البعيد، الذي كنا ننتظر مجيئه لحارتنا، بفارغ الصبر، حتى إذا ما جاء متمايلاً استقبلناه بالأصوات الفرحة والأهازيج، لنفوز بنظرة ونتفرج على الشريط المصور عبر النافذة الزجاجية المجسمة.
قارني معي أيتها الأم الفاضلة، هاتين اللوحتين المتماثلتين، لوحة تلفزيون الحاضر، ولوحة تلفزيون الماضي .. صندوق الدنيا، إنك ولا شك ستقولين معي بتعجب محبب هذه حال الدنيا، جانب منها نعيشه ببعد واقعي حي، وجانب آخر نعيشه من خلال بعد تمثيلي ترفيهي، وكلاهما يلعبان بنا، عبر أبعاد الزمان أو عبر أبعاد المكان ينقل إلينا واحد منهما جانباً من الحياة بعيد عن ساحة الحياة الواقعية، وما التلفاز الذي تتخوفين منه إلا صورة أخرى مطورة لصندوق الدنيا، والفارق بين الاثنين أن الأول كان خفيف الظل يزورنا غبا على استحياء، ونزداد به شوقاً وحباً، وأما الثاني فهو ضيف ثقيل الظل مستمر الحضور، يكاد لا يفارق أعيننا المتعلقة به أبداً. وهو الذي تتخوفين منه على مستقبل الأبناء بسبب من قوة تأثيره وجذبه وتنوع صوره وبراعة إخراجه، وسحر أسلوبه، وقدرته على تناول الموضوعات وتحليلها ودقة التحكم في عرضها، بصورة تجعل المشاهد منا يذوب أو ينحل في بعد من أبعاد الزمن غير المتحرك والذي يسيطر على كامل الحس والشعور لدرجة يتوقف معها القلب والتنفس عن الحركة. والجميع من حوله خشب مسندة، لا تسمع لهم نبساً ولا تشعر بوجودهم لأن كل شيء قد استقر في أمان وتوقف الزمن، فلا يعلو صوت فوق صوته. لأن الحياة تجمدت حتى تحين اللحظة التي تدق فيها ساعة الصفر، مخترقة صمت الوجود، معلنة "النهاية .. (The End عندما تتحرك الأجفان بعد أن تتلاعب بها من وقع حالة الإغماء اللاإرادي أو الإرادي، التي نسوق أنفسنا إليها سوقاً بأيدينا، وكأننا أناس في تلك الفترة كنا تحت تأثير المنوم المغناطيسي البارع الأداء (دانيال هوم) نعم هذا هو التلفاز أو قل التلفزيون.. النافذة السحرية التي أصبحنا، وبالفعل نطل منها على العالم. وإن ننس لا ننس القدرة الفائقة التي حملتها لنا قناة الـ CNN أثناء حرب الخليج، التي كانت تعرض فاعلية صورة من صور الحرب الرقمية. نتابع الصاروخ بدءاً من لحظة انطلاقه حتى نقطة إصابته الهدف وبدقة متناهية. فإذا أضفنا لهذه القدرة طاقة خلاقة مبدعة حين امتزجت وتفاعلت أجهزة التصوير التلفزيوني مع قدرات الكمبيوتر الهائلة في تحوير المشاهد بالصورة والشكل، وضمن حدود زمنية آنية لا يكاد العقل يصدق ما يشاهده بأم الحس.. ومكمن الخطورة هنا في تحريف الحقائق وتزييفها.. وعند هذه النقطة يحسن بي أن أشير لكلمة كنت أرددها على مسامع طلابي في الجامعة، "ليحرص كل واحد منكم دائماً وأبداً على تحري الحقيقة في كل كلمة تقولها للطفل، وفي أي عمر زمني كان عليه هذا المتعلم، لأنك مرب ومعلم، والمعلم المربي صادق التوجه، وإن الأرض التي نخسرها في حرب، يمكن استرجاعها في أي وقت، وفي حرب مماثلة، أما فكر الطفل وعقل المتعلم إذا ضلل وتاه عن الحقيقة فقد رشده، وانحرف عن الصراط، إياكم وتضليل الفكر فهو الذي يهلك الأمم والشعوب"، وإذا ما أضفنا إلى التلفزيون طاقات وقدرات إبداعية فائقة التصور، من إدراك المشاهد من خلال البعد الثالث، بل وإدخال تأثيرات في أبعاد الحواس الأخرى كالشم والتذوق.. إلخ.. إذاً لعرفنا لم يتسمر الأبناء أمام شاشته الصغيرة، الكبيرة النفوذ والتأثير، والبالغة الشد والجذب، بلا حراك، ولما ظهرت المشكلة بهذا الشكل من البشاعة المقيتة، ولكن وبقدر بسيط من الموضوعية والصراحة مع الذات، لتتأمل الأم نفسها، وليتأمل الأب ذاته، كم من الساعات الطوال يجلس كل واحد منهما أمام التلفزيون، وفي أحيان كثيرة تكون مشاهد التلفاز خلسة، بعيداً عن عيون الأبناء، ولتكن نقطة انطلاقنا في البحث عن حل للمشكلة المطروحة، هو أن تبدأ من الأبعاد الواقعية والحقيقية لها. لنفهم طبيعتها، لأن هذا الفهم شرط أساسي لكل من يبحث معنا عن حل لهذه المشكلة المعقدة، والأم والأب هم الشركاء الحقيقيون في البحث عن حلول ممكنة لهذه المشكلة. وإن كانت الأم والأب بحكم العلاقة العاطفية التي تربط بينهما وبين الأبناء يكونان غير قادرين على تشخيص المشكلة عند الأبناء، ولكنهما الأقدر على متابعة تطبيق العلاج والسهر على تقديم الدواء.
بعض الحقائق:
وقبل البحث في الحلول الممكنة للتغلب على هذه المشكلة التي تزداد اتساعاً وتضخماً، ولكونها أشد فتكاً وتدميراً من أية آفة مرضية عرفتها البشرية. وكما تشير الدراسات إلى أن الطفل الأمريكي قبل انتهاء مرحلة دراسته الابتدائية يكون قد شاهد حوالي 8000 ثمانية آلاف جريمة قتل على شاشة التلفزيون، وإذا عرفنا أثر ذلك العنف على نفسية الشباب أدركنا خطورة ما تعرضه الشاشة الصغيرة، وكما يقول رئيس الرابطة الأمريكية النفسية للشباب والعنف د. ليونارد ريرون: "لقد أصبح واضحاً للمجتمع وبدون أدنى شك أن التعرض الزائد للعنف التلفازي هو أحد الأسباب المهمة وراء تفشي السلوك العدواني والجريمة والعنف". ومع ذلك فليكن بحثنا منصباً ليس على منع أو إلغاء أو تحريم أو إغلاق هذه النافذة التي نطل منها على العالم، بل أن نبحث عن حلول ممكنة نتحكم بها عليها ونحولها إلى عالم غني بالمعرفة مفيد للكبار والصغار، وليكن مركز الصدارة في حل هذه المشكلة قدرتنا على استخدام التربية كسلاح فعال في الهندسة السلوكية، في قدرتنا على تحويلها إلى أداة مفيدة.
قوة تأثير التلفزيون:
لا يمكننا نحن الكبار، آباء وأمهات ومسؤولين عن الأطفال والأبناء، من أن نغمض أعيننا ونغلق عقولنا ونتجاهل قوة تأثير التلفزيون علينا.. حتى لو كانت هناك خطة متفق عليها بين الأم والأب على ضرورة إغلاق التلفزيون وعدم تشغيله أمام الأطفال، بل عدم إحضاره للبيت، ولو فعلت ذلك ليكن في علمك أن هذا الجهاز موجود في كل بيت، وسيراه ابنك في بيت صديق له، أو في بيت عمه، وليعلم الجميع بأنه قد تجد في البيت الواحد عدداً من الأجهزة، لا جهازاً واحداً، ولنتأمل تلك الأم التي قالت لزوجها وبغضب شديد دع كل ولد يذهب إلى مكتبه، (إنا بدي أشوف التلفزيون، بدي أكمل المسلسل..) نعم هذا ما حدث مع إحدى الأمهات، وبالتحديد إحدى الأمهات الحريصات على مستقبل أبنائها، ولكن هذا هو الواقع.
عدد الساعات التي نقضيها أمام التلفزيون:
تشير بعض الإحصائيات إلى أن الإنسان عندما يبلغ العشرين من العمر يكون قد تعرض لما لا يقل عن عشرين ألف ساعة بث تلفزيوني، وقد لا يعني هذا العدد من الساعات شيئاً، اللهم إلا إذا علمنا بأن عدد الساعات التي يحتاجها الدارس لنيل درجة البكالوريوس هي في حدود خمسة آلاف ساعة. وإن عشرة آلاف ساعة من الدراسة تكفي لتحقيق أعظم الأحلام في الحصول على شهادات وتعلم لغات، بل ودراسة الكثير مما كتب في الآداب والشعر. وقصة الكتاب المشهور لأحد الاقتصاديين الألمان والذي سماه "خمس دقائق قبل الطعام" وسر شهرته المتعلقة بكتابه، كونه استغل الدقائق الخمس التي كان يجلس فيها إلى مائدة الطعام منتظراً فيها زوجته وهي تعد وتضع معدات ومواد الطعام على المنضدة، ففكر في أن لا يضيع هذا الوقت في الانتظار دون عمل، فكتب الخواطر الفكرية التي تلمس عقله ووجدانه خلال دقائق الانتظار.. وكان من نتائج هذه الدقائق الخمس هذا الكتاب الشهير.
الانتباه والتلفزيون:
يوقف حاسة النبض التي تدل على الحياة، والمشاهد يدخل في دوامة التعود والسكون.. وهو يقدم لنا متعة آنية سهلة ويشغل وقتنا وكأننا في واحدة من حالات فقدان الحس والحركة إلى حين.. إننا والحال هذه مخدرون.. ولذا كان التلفزيون أبعد أثراً وأكثر ضرراً عند من كان ضعيف القدرة في التحكم بانتباهه وإرادته وإدارة وقته، فهو يقضي على البقية الباقية من الملاحظة والانتباه والجهد المنتج. ومن هنا استغلت شركات الدعاية والإعلان هذه النقطة.. وعملت بكل طاقاتها على شد انتباه المشاهد عن طريق المنوعات والمسلسلات التي تجبرنا على متابعتها.. ما أن تنتهي حلقة إلا ويلفت المذيع انتباهك ويذكرك بأنه بعد لحظات تبدأ حلقة مشوقة من مسلسل آخر.. والإنسان بطبعه فضولي محب للاستطلاع، التلفزيون يسلبنا أغلى ما لدينا من فعالية ونشاط، وكل هذا من أجل تقديم الدعايات والإعلانات، وبصورة دقيقة ومبرمجة محسوبة لديهم بالدقيقة والثانية، لأنها تدر عليهم أموالاً طائلة.
التلفزيون والعمل المنتج:
وهنا يحسن بي ذكر مقولة يرددها أحد أصدقائي الحميمين: "الوقت مال الله وحرام على الإنسان أن يضيع مال الله" نعم هذا القول فيه عين الصواب، لا سيما نحن العرب الذين نوصم دائماً وأبداً بفقدان الهمة والقابلية والشهية للعمل، ونتهم بالكسل الكسول والمتراخي. لأن إنتاجية العربي تقدر بـ 46 دقيقة في اليوم، بينما إنتاجية الياباني فتقدر بـ 16 ساعة عمل.. أمر مثير للغاية ويبدو أن التلفزيون له نصيب في هذا الأمر فوق ما ابتلينا به وورثناه عن الأولين السابقين.
برامج التلفزيون:
مدروسة بذكاء عال بحيث أن كل برنامج لا يسمح لك أن تغادر شاشته الصغيرة، ومنوعاته تسبح بك في عالم من الأوهام والخيالات.. والأمم والشعوب، بل وكل إنسان مغلوب على أمره تجده يقضي الساعات الطوال في أوهام وأحلام يقظة.. والتلفزيون من هذه الزاوية برمجته عالية الدقة محسوبة بالثانية والدقيقة ومرتبة بصورة تغتصب وقتك الثمين بكل اقتدار، برامج مختصرة وسريعة، برامج لا تطلب من المشاهد أن يركز انتباهه لأكثر من دقائق في الموضوع الواحد.
تليه تكملة في الرد الآتي