المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أركون - بين ما هو سياسي و ما هو ديني


مررت من هنا
20-11-2002, 03:23 PM
[ خطورة الخلط بين ما هو سياسي وما هو ديني ]

محمد أركون
(ترجمة وتعليق هاشم صالح).
دار الساقي, لندن.
2001.
318 صفحة !



يقدم محمد أركون, المفكر الإسلامي الليبرالي, بعضاً من خلاصات معاركه الفكرية والسجالية التي خاضها خلال ما يقارب ثلاثة عقود في حقل الفكر والتنوير الإســــلامي. والمقالات التي تضمها دفتا هذا الكتاب تحوم حول المفهوم المركزي الذي يؤمن به أركون كأســــاس للنهــــوض الحضاري ولتنظيم العلاقات بين المجتمعات والثقافات, وهو مفهوم (الأنسنة).

وأهمية قراءة أركون تكمن في جوانب عدة: أولها أنه يكتب بعدما استوعب الفكر الكلاسيكي الإسلامي في عقود ازدهاره من القرن الرابع إلى السادس الهجري, وبعدما استوعب أيضاً الفكر الغربي منذ مطلع عصر التنوير في القرن السادس عشر وحتى نظريات ما بعد الحداثة. ومن هنا فإن الجبهة التي يساجل فيها وعليها أركون هي مزدوجة الاتجاه: فهو من ناحية, يقارع أساطين الاستشراق التقليدي في جامعات الغرب, وتحديداً في فرنسا حيث تعلم وعلم في جامعة السوربون, ومن ناحية أخرى يقارع أفكار الجمود عند كثير من المتعصبين المسلمين الذين يريدون غلق باب الاجتهاد مرة ثانية ويعزلون مجتمعاتهم المسلمة عن بقية العالم. وهذا السجال الذي يديره على جبتهين يجعله بعض الأحيان يخسر الغرب والشرق في آن. ففي الغرب يُتهم بأنه مفكر ينحاز للغيب على حساب العقل, ويريد أن يثبت أن الحضارة الإسلامية هي حضارة عقل وتسامح, وفي الشرق يُتهم بأنه (متغربن) ومتأثر بالفكر الغربي مكرراً مقولات المستشرقين ومزعزعاً الاصول أيضاً.

على جبهة الاستشراق الغربي, يخوض أركون معاركه مع جمهرة من المستشرقين الذين ينظرون إلى الإسلام والمجتمعات الإسلامية على أنها (جوهرانية) تنطوي على كل ما هو ثابت وجامد وغير منظور. وهؤلاء يرون أن التحليلات التي تعتمد على علم الاجتماع الحديث لا تنطبق تماماً على العالم الإسلامي. فإذا استخدمنا مثلاً تحليلات اقتصادية واجتماعية وثقافية لفهم التطورات التي حدثت وتحدث في مجتمع غربي ما, فإننا لا نستطيع توظيف تلك العناصر التحليلية نفسها لفهم المجتمعات المسلمة بسبب (خصوصيتها) الثقافية والاجتماعية. والمشكلة الأساسية في هذه النظرة الاستشراقية أنها تقطع الطريق على أية خلاصات يمكن أن يصل إليها أي تحليل. فإذا كانت خلاصات التحليل الاقتصادي والاجتماعي لمجتمع غربي تقول بأنه من الضروري, مثلاً, ردم الهوة بين الأغنياء والفقراء, لأن استمرار تلك الهوة قد يؤدي إلى ثورة وصراع داخلي, أو أنه من المحتم تبني نمط ديموقراطي يوفر الحرية للأفراد والمشاركة السياسية, فإن هذه الخلاصات لا تنطبق على المجتمعات الإسلامية, لأنها (مختلفة), ولها (خصوصية) خاصة بها. أي أنها تقبل وتتعايش مع التفاوت الطبقي الكبير أو أنها لا تقبل بالديموقراطية كآلية للعملية السياسية داخل بلدانها.

أركون يحمل بشدة على هذه النظرة, ويرى أنها تنزع ملامح (الأنسنة) عن المجتمعات المسلمة. فهذه المجتمعات في نهاية المطاف, مثل بقية مجتمعات العالم, تتأثر بالتطورات وتدخل في تكوين توجهاتها مجموعة هائلة من العوامل. وعليه فإن العناصر الاجتماعية والاقتصادية والثقافية تؤثر في مسيرتها وخياراتها, كما تؤثر في أي مجتمع آخر. وبالتالي فإن طموحات وآمال ومآلات هذه المجـــتمعات نحـو أوضاع أفضل سواء كانت قريبة في بعض أشكــــالها من الشكل الغربي, من ناحية النمو الاقتصادي والرفاه الاجتماعي والانفتاح السياسي, هي أمور مشروعة, بل وواجبة. من هنا فإن أركون يدافع في الواقع عن فكر ونظرة (الأنسنة) ويدعو لها, وهي النظرة التي تقول بإنسانية الإنسان قبل أي شـــــيء آخر, وبأن (المشــترك الإنساني) بين البشر يجب أن يكون محور الاهتمام والتواصل بهدف توسيع رقعته حتى يأكل من مساحات العداء والتنافر والصراع.

ولا يتوقف أركون عند نقد الفكر الغربي في مركزيته الأوروبية, أو الصيغ المتطرفة للحداثة والعلمانية التي تريد تحويل الناس إلى آلات ميكانيكية تلهث وراء المنفعة الأنانية والربح والاستهلاك والمتعة من دون الاكتراث لأية قيم. بل إنه ينظر إلى جبهته الداخلية, الفكر والتراث الإسلامي والممارسة الإسلامية المعاصرة, خصوصاً المتطرفة والمتعصبة, فيعمل مبضعه في كل ذلك. فهو أولاً يعثر على (الكنز النظري) والإنساني الذي احتوى عليه الفكر الإسلامي في فترات أوجه, وتحديداً في القرون ما بين الرابع إلى السادس الهجري. فهناك كانت رحلة أركون الشيقة والطويلة والعميقة مع مفكري الإسلام الكبار من أمثال ابي حيان التوحيدي وابن مسكويه, ليكتشف أن نظرة (الأنسنة) التي يتفاخر بها الفكر الغربي, أي تقديم إنسانية الإنسان على أي تصنيف آخر (اثني, أو قومي, أو مذهبي), وجدت أصلاً عند أولئك المفكرين الذين تبنوها ودافعوا عنها, وأصّلوا لها إسلامياً على قاعدة أن الخالق كرم الإنسان أفضل تكريم من دون تمييز أو تفضيل.

على أن تلك النزعة الإنسانية العظيمة التي أسسها وكتب فيها أولئك المفكرون سرعان ما كانت ضحية الفكر (المدرسي), وهو الفكر الذي بدأ يسود مع نهاية الدولة العباسية وبروز خلفاء حجروا على حرية الفكر المدهشة التي كانت منتشرة آنذاك, وفرضوا رؤية أحادية مغلقة على الناس, ورفضوا أن يتركوا لمن يخالف تلك الرؤية أي هامش للتعبير. ومنذ تاريخ ذلك الانقلاب الداخلي على حرية الفكر والتعبير الإسلامي ونزعة الأنسنة في الفكر الإسلامي تزداد تهميشاً, لمصلحة نزعات الجمود والتطرف والانغلاق.

والذي يريده أركون ويأمل في عودته, هو بعث تلك النزعة الإنسانية في الفكر الإسلامي, خصوصاً في الوقت الحاضر, الذي تم فيه (أسر) الخطاب الإسلامي من قبل أصوات التطرف والتعصب بحيث بدت, وتبدو, للآخرين وكأنها تعبر عن حقيقة الإسلام وجوهره, فيما لا تعبر إلا عن هوامش متطرفة لكنها أكثر ضجيجاً وازعاجاً. وهي بكل الأحوال لا تعبر عن التيار العريض الوسطي للمسلمين في العالم, الذين لا ينظرون نظرة عداء مستحكم تجاه (الآخر) المختلف عنهم دينياً أو حضارياً.

والمعضلة الأساسية في خطابات التعصب الإسلامي أنها تخلط بين ما هو سياسي وما هو ثقافي وديني. فعداؤها للسياسة الغربية, التي تبعث على السخط والعداء, التي أثرت, وما زالت, في البلدان الإسلامية بطريقة سلبية, يدفعها للخروج من دائرة الاعتدال حتى في العداء, أي دائرة (لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا, اعدلوا هو أقرب للتقوى).

لكن أين يكمن الحل, وكيف يمكن أن تستعاد (نزعة الأنسنة) وينفض عنها غبار الهوامش وتُجلب إلى قلب الفكر والممارسة الإسلامية مرة أخرى?

الجواب الذي يقدمه أركون يتجه نحو التعليم, وتحديداً ضرورة إعادة هيكلة مناهج التعليم في العالم الإسلامي. فهو يرى أن هذه المناهج تنتج أفراداً متوترين تجاه الآخر, يشعرون بأنهم الأفضل, وينظرون إلى اتباع الثقافات الأخرى والحضارات الأخرى باعتبارهم في منزلة أدنى منهم, وهو بخلاف ما تفترضه دعوة الأنسنة.

وما لم يعاد النظر في مناهج التعليم, فإننا, كما يقول أركون, سنظل نفاجأ بين الحين والآخر بتوالد تطرف هنا أو تعصب هناك.

وحتى لا تخدم تلك الكيفية وذلك التنفيذ الأهداف الإسرائيلية في التغطية على الجريمة التي حدثت هناك وتطويها في ملفات النسيان.




المصدر : جريدة الحياة


تحياتي...


خالد...