ولد_دبي
23-12-2002, 03:33 AM
القبر موعدنا
الحمد لله ذي الملكوت والسلطان، والصلاة والسلام على رسول ربنا الرحمن، محمد وعلى آله وصحبه البررة الكرام، أما عد :
أخي المسلم : هل رأيت القبور؟ هل رأيت ظلمتها؟ هل رأيت وحشتها؟ هل رأيت شدتها؟ هل رأيت ضيقها؟ هل رأيت هوامها وديدانها؟
أما علمت أنها أعدت لك كما أعدت لغيرك؟
أما رأيت أصحابك وأحبابك وأرحامك نقلوا من القصور إلى القبور .. ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود .. ومن ملاعبة الأهل والولدان إلى مقاساة الهوام والديدان .. ومن التنعيم بالطعام والشراب إلى التمرغ في الثرى والتراب .. ومن أنس العشرة إلى وحشة الوحدة .. ومن المضجع الوثير إلى المصرع الوبيل؟ فأخذهم الموت على غرة، وسكنوا القبور بعد حياة الترف واللذة ، وتساووا جميعاً بعد موتهم في تلك الحفرة، فالله نسأل أن يجعل قبورنا روضة من رياض الجنة .
هول القبور
عن هانئ مولى عثمان قال: عثمان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي ، وتبكي من هذا؟ فقال : إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «القبر أول منازل الآخرة، فإن ينج منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه» ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما رأيت منظراً إلا والقبر أفظع منه» {أحمد والترمزي وحسنه الألباني}
وفي حديث جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «لا تمنوا الموت فإن هول المطلع شديد» {أحمد وحسنه الهيثمي} .
أهل القبور إلــــــــيكم
إخوتي : تفكروا في الذين رحلوا .. أين نزلوا ؟ وتذكروا ا، القوم نوقشوا وسئلوا .. واعلموا أنكم كما تعذلون عذلوا .. ولقد ودوا بعد الفوات لو قبلوا .. ولكن هيهات هيهات وقد قبروا .
وكان يزيد الرقاشي يقول لنفسه : «ويحك يا يزيد ! من ذا يصلي عنك بعد الموت ؟ من ذا يصوم عنك بعد الموت؟ من ذا يترضى عنك بعد الموت؟ ثم يقول : أيها الناس ! ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم .. من الموت موعده .. والقبر بيته .. والثرى فراشه .. والدود أنيسه .. وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر .. كيف يكون حاله ؟! ثم بكي رحمه الله .
عن محمد بن صبيح قال : «بلغنا أن الرجل إذا وضع في قبره، فعذب أو أصابه ما يكره، ناداه جيرانه من الموتى : يا أيها المتخلف في الدنيا فبعد إخوانه ! أما كان لذلك فينا معتبر ؟ أما كان لك في تقدمنا إياك فكرة ؟ أما رأيت انقطاع أعمالنا وأنت في المهل ؟ فهلا استدركت ما فات إخوانك !!»
فتنة القبور
أخي المسلم : ماذا أعددت لأول ليلة تبيتها في قبرك؟ أما علمت أنها ليلة شديدة، بكى منها العلماء، وشكا منها الحكماء، وشمر لها الصالحون الأتقياء؟
يوماَ فقارققني السكون
بالله قل لي ما يكون ؟!
فارقت موضع مرقدي
القــــــــــــبر أول ليلة
كان الربيع بن خثيم يتجهز لتلك الليلة، ويروى أنه حفر في بيته حفرة فكان إذا وجد في قلبه قساوة دخل فيها، وكان يمثل نفسه أنه يقد مات وندم وسأل الرجعة فيقول : ( رب ارجعون لعلي أعمل صلحا فيما تركت ) {المؤمنون 99-100} ثم يجيب نفسه فيقول : قد رجعت يا ربيع !! فيرى فيه ذلك أياماً ، أي يرى فيه العبادة والاجتهاد والخوف والوجل .
.
قال: ويجلس الرجل السوء في قبره فزعا مشعوفاً ، فيقال له : فيم كنت ؟ فيقول : لا أدري، فيقال له : ما هذا الرجل ؟ فيقول : سمعت الناس يقولون قولاً فقلته . فيفرج له قبل الجنة، فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له: انظر ما صرف الله عنك . ثم يفرج له فرجه قبل النار، فينظر إليها يحطم بعضها بعضاً فيقال له : هذا مقعدك، على الشك كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله » { ابن ماجة وصححه البوصيري}
بنوا فوق المقابر بالصخــور
على الفقراء حتى في القبور
فما تدري الغني من الفقــــير
من الجلد المباشر للـــــحرير
فما فضل الغني على الفقير؟
أرى أهل القصور إذا أميتـــــــوا
أبوا إلا مباهاة وفخـــــــــــــــــراً
لعمرك لو كشقت التــــرب عنهم
ولا الجلد المباشر ثوب صـــوف
إذا أكل الثرى هــــــــــــــذا وهذا
فيا إخوتاه ! ألا تبكون من الموت وسكرته ؟
ويا إخوتاه ! ألا تبكون من القبر وضمته ؟
ويا أخوتاه ! ألا تبكون خوفاً من النار في القيامة ؟
ويا إخوتاه ! ألا تبكون خوفاً من العطش يوم الحسرة والندامة ؟
عذاب القبر ونعيمه
أخي الكريم : ثبت عذاب القبر بالكتاب والسنة والإجماع، ولا ينكر ذلك إلا مكابر ومعاند قال تعالى ( سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ) {التوبة : 101}
وقال سبحانه : ( وحاق بئال فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدواً وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب) {غافر 45،46} .
وعن أنس رضي الله عنه قال : قال نبي الله صلى الله عليه وسلم « إن العبد إذا وضع في قبره ، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم قال: يأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ قال : فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله قال : فيقال له : إنظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة قال نبي الله صلى الله عليه وسلم فبراهما جميعاً »
وأما المنافق والكافر فيقال له : ما كنت تقول في هذا الرحل ؟ فيقول: لا أدري ، كنت أقول ما يقول الناس فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقيلين» {متفق عليه}
حديث القبور
وروى أسيد بن عبدالرحمن أنه قال: «بلغني أن المؤمن إذا مات فحمل قال : أسرعوا بي، فإذا وضع في لحده كلمته الأرض فقالت : كنت أحبك وأنت على ظهري ، فأنت الآن أحب إلي في بطني .
وإذا مات الكافر فحمل قال : ارحعوا بي، فإذا وضع في لحده كلمته الأرض فقالت : كمت أبغضك وأنت على ظهري، فأنت الآن أبغض إلي في بطني!!
ويقال : إن الأرض تنادي كل يوم فتقول :
يا ابن آدم تمشي على ظهري ومصيرك في بطني!!
يا ابن آدم تأكل الألوان على ظهري ، وتأكلك الديدان في بطني !
يا ابن آدم تضحك على ظهري، فسوف تبكي في بطني !
يا ابن آدم تفرح على ظهري ، فسوف تحزن في بطني !
يا ابن آدم تذنب على ظهري فسوف تعذب في بطني !
أخي الحبيب :
حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم على زيارة الموتى في قبورهم، والأعتبار بأحوالهم ، فقال عليه الصلاة والسلام: « زوروا القبور فإنها تذكر الموت» {مسلم}
وقال النبي صلى الله عليه وسلم «نهيتكم عن زيارة القبور فزروها» وعن أبي داود: «فإن في زيارتها تذكرة» وعند الإمام أحمد : «فزوروها فإن في زيارتها عبرة وعظة»
وكان النبي صلى الله عليه إذا أتى المقابر قال : «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، أنتم السابقون وإنا إن شاء الله بكم لا حقون، أنتم لنا فرط، ونحن لكم ، أسأل الله ولكم العافية» {مسلم}
وفي زيارة القبور فوائد كثيرة منها أنها :
1- تذكر الموت والآخرة 2- تقصر الأمل 3- تزهد في الدنيا 4- ترقق القلوب 5- تدمع الأعين 6- تدفع الغفلة 7- تورقث الخشية 8- تورث
قال محمد بن واسع لرجل : ما أعجب إلى منزلك ! فقال : وما بعجبك من منزلي وهو عند القبور ؟ قال : وما عليك ، يكفون الأذى ويذكرون الآخرة !!»
الأسباب الموجبة لعذاب القبر
أخي المسلم الموفق : ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن أهل القبور يعذبون على جهلهم بالله ، وإضاعتهم لأمره، وارتكابهم لمعاصيه، فإن عذاب القبروعذاب الآخرة أثر غضب الله وسخطه على عبده ، فعذاب القبر يكون على معاصي القلب، والعين، والأذن، والفم، واللسان، والبطن، والفرج، واليد،، والرجل، والبدن كله، فمن أغضب الله واسخطه في هذه الدار ثم لم يتب، ومات على ذلك، كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب الله وسخطه عليه، فمستقل ومستكثر، ومصدق ومكذب .
وقد ورد الوعيد بالعذاب في القبر على كثير من المعاصي والذنوب منها :
1- النميمة والغيبة2- عدم الاستبراء من البول3- الصلاة بغير طهور 4- الكذب 5- تضييع الصلاة والتثاقل عنها .
6- ترك الزكاة 7- الزنى 8-الغلول من المغنم(السرقة) 9- الخيانة 10- السعي في الفتنة بين المسلمين
11- أكل الربا 12- ترك نصرة المظلوم 13- شرب الخمر 14- إسبال الثياب تكبراً 15- القتل 16- سب الصحابة
17- الموت على غير السنة(البدعة)
وقال رحمه الله بعد أن ذكر أنواع كثيرة من المحرمات التي يعذب بها الموتى في قبورهم : « وما كان أكثر الناس كذلك، كان أكثر أهل القبور معذبين، والفائز منهم قليل، فظواهر القبور تراب ، وبواطنها حسرات وعذاب ظواهرها بالتراب والحجارة المنقوشة مبنيات، وفي باطنها الدواهي والبليات، تغلي بالحسرات كما تغلي القدور بما فيها، ويحق لها وقد حيل بينها وبين أمانيها.
إخواني : كم من ظالم تعدى وجار، فما راعي الأهل ولا الجار، بينا هو عقد الإصرار، حل به الموت فحل من حلته الأزرار (فاعتبروا يا أولي الأبصر)
ما صحبه سوى الكفن ، إلى بيت البلى والعفن، ولو رأيته وقد حلت به المحن ، وشين ذلك الوجه الحسن، فلا تسأل كيف صار (فاعتبروا يا أولي الأبصر)
أين مجالسة العالية؟ أين عيشته الصافية؟ أين لذاته الخالية؟ كم كم تسفى على قبره سافية !! ذهبت العين وأخفيت الآثار (فاعتبروا يا أولي الأبصر)
تقطعت به جميع الأسباب، وهجره القرناء والأتراب، وصار فراشه الجندل والتراب، وربما فتح له في اللحد باب إلى النار (فاعتبروا يا أولي الأبصر)
نادم بلا شك ولا خفا ، باك على ما زل وهفا، يود أن صافي اللذات ما صفا ، وعلم انه كان يبني على شفا حرف هار (فاعتبروا يا أولي الأبصر)
الأسباب المنجية من عذاب القبر
وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن أسباب النجاة من عذاب اقبر، هي أن يتجنب الإنسان تلك الأسباب التي تقتضي عذاب القبر، وهي جميع المعاصي والذنوب.
وذكر رحمه الله أن من أنفع تلك الأسباب : أن يحاسب المرء نفسه كل يوم على ما خسره وربحه في يومه، ثم يجدد التوبة ، النصوح بينه وبين الله، فينم على تلك التوبة، فإن مات من ليلته مات على توبة، وإن استيقظ استيقظ مستقبلا للعمل ، مسرورا بتأخير أجله، حتى يستقبل ربه ويستدرك ما فاته، ولا ينام إلا على طهارة ، ذاكراً الله عز وجل ، مستعملاً الأذكار والسنن التي ورت عن الرسول صلى الله عليه وسلم عند النوم حتى يغلبه النوم ، فمن أراد الله به خيراً وفقه لذلك .
ثم ذكر رحمه الله الطاعات التي ورد أنها مما ينجي من عذاب القبر وهي :
1- الرباط في سبيل الله 2- الشهادة في سبيل الله
3- قراءة سورة الملك 4- الموت بداء البطن
5- الموت يوم الجمعة
الثبات عند الموت
قال الفقيه أبو الليث المرقندي : ويكون التثبيت في ثلاثة أحوال ، لمن كان مؤمنا مخلصا مطيعا لله تعالى :
أحدهما : في حال معاينة ملك الموت
ثانيها : في حال سؤال منكر ونكير
وثالثها : في حال سؤاله عند المحاسبة يوم القيامة
فأما التثبيت عند معاينة ملك الموت فهو على ثلاثة أوجه
الأول : العصمة من الكفر، وتوفيق الاستقامة على التوحيد ، حتى تخرج روحه وهو على الإسلام .
والثاني : أن تبشره الملائكة بالرحمة
والثالث : أن يرى موضعه من الجنة
وأما التثبيت في القبر فهو على ثلاثة اوجه :
الأول : أن يلقنه الله تعالى الصواب[، حتى يجيب الملكين بما يرضى عنه الرب.
والثاني : أن يزول عنه الخوف والهيبة والدهشة .
والثالث : أن يرى مكانه في الجنة ، فيصير القبر روضة من رياض الجنة.
وأما التثبيت عند الحساب فعلى ثلاثة أوجه :
الأول : أن يلقنه الحجة عما يسأل عنه :
والثاني : يسهل عليه الحساب .
الحمد لله ذي الملكوت والسلطان، والصلاة والسلام على رسول ربنا الرحمن، محمد وعلى آله وصحبه البررة الكرام، أما عد :
أخي المسلم : هل رأيت القبور؟ هل رأيت ظلمتها؟ هل رأيت وحشتها؟ هل رأيت شدتها؟ هل رأيت ضيقها؟ هل رأيت هوامها وديدانها؟
أما علمت أنها أعدت لك كما أعدت لغيرك؟
أما رأيت أصحابك وأحبابك وأرحامك نقلوا من القصور إلى القبور .. ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود .. ومن ملاعبة الأهل والولدان إلى مقاساة الهوام والديدان .. ومن التنعيم بالطعام والشراب إلى التمرغ في الثرى والتراب .. ومن أنس العشرة إلى وحشة الوحدة .. ومن المضجع الوثير إلى المصرع الوبيل؟ فأخذهم الموت على غرة، وسكنوا القبور بعد حياة الترف واللذة ، وتساووا جميعاً بعد موتهم في تلك الحفرة، فالله نسأل أن يجعل قبورنا روضة من رياض الجنة .
هول القبور
عن هانئ مولى عثمان قال: عثمان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي ، وتبكي من هذا؟ فقال : إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «القبر أول منازل الآخرة، فإن ينج منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه» ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما رأيت منظراً إلا والقبر أفظع منه» {أحمد والترمزي وحسنه الألباني}
وفي حديث جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «لا تمنوا الموت فإن هول المطلع شديد» {أحمد وحسنه الهيثمي} .
أهل القبور إلــــــــيكم
إخوتي : تفكروا في الذين رحلوا .. أين نزلوا ؟ وتذكروا ا، القوم نوقشوا وسئلوا .. واعلموا أنكم كما تعذلون عذلوا .. ولقد ودوا بعد الفوات لو قبلوا .. ولكن هيهات هيهات وقد قبروا .
وكان يزيد الرقاشي يقول لنفسه : «ويحك يا يزيد ! من ذا يصلي عنك بعد الموت ؟ من ذا يصوم عنك بعد الموت؟ من ذا يترضى عنك بعد الموت؟ ثم يقول : أيها الناس ! ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم .. من الموت موعده .. والقبر بيته .. والثرى فراشه .. والدود أنيسه .. وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر .. كيف يكون حاله ؟! ثم بكي رحمه الله .
عن محمد بن صبيح قال : «بلغنا أن الرجل إذا وضع في قبره، فعذب أو أصابه ما يكره، ناداه جيرانه من الموتى : يا أيها المتخلف في الدنيا فبعد إخوانه ! أما كان لذلك فينا معتبر ؟ أما كان لك في تقدمنا إياك فكرة ؟ أما رأيت انقطاع أعمالنا وأنت في المهل ؟ فهلا استدركت ما فات إخوانك !!»
فتنة القبور
أخي المسلم : ماذا أعددت لأول ليلة تبيتها في قبرك؟ أما علمت أنها ليلة شديدة، بكى منها العلماء، وشكا منها الحكماء، وشمر لها الصالحون الأتقياء؟
يوماَ فقارققني السكون
بالله قل لي ما يكون ؟!
فارقت موضع مرقدي
القــــــــــــبر أول ليلة
كان الربيع بن خثيم يتجهز لتلك الليلة، ويروى أنه حفر في بيته حفرة فكان إذا وجد في قلبه قساوة دخل فيها، وكان يمثل نفسه أنه يقد مات وندم وسأل الرجعة فيقول : ( رب ارجعون لعلي أعمل صلحا فيما تركت ) {المؤمنون 99-100} ثم يجيب نفسه فيقول : قد رجعت يا ربيع !! فيرى فيه ذلك أياماً ، أي يرى فيه العبادة والاجتهاد والخوف والوجل .
.
قال: ويجلس الرجل السوء في قبره فزعا مشعوفاً ، فيقال له : فيم كنت ؟ فيقول : لا أدري، فيقال له : ما هذا الرجل ؟ فيقول : سمعت الناس يقولون قولاً فقلته . فيفرج له قبل الجنة، فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له: انظر ما صرف الله عنك . ثم يفرج له فرجه قبل النار، فينظر إليها يحطم بعضها بعضاً فيقال له : هذا مقعدك، على الشك كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله » { ابن ماجة وصححه البوصيري}
بنوا فوق المقابر بالصخــور
على الفقراء حتى في القبور
فما تدري الغني من الفقــــير
من الجلد المباشر للـــــحرير
فما فضل الغني على الفقير؟
أرى أهل القصور إذا أميتـــــــوا
أبوا إلا مباهاة وفخـــــــــــــــــراً
لعمرك لو كشقت التــــرب عنهم
ولا الجلد المباشر ثوب صـــوف
إذا أكل الثرى هــــــــــــــذا وهذا
فيا إخوتاه ! ألا تبكون من الموت وسكرته ؟
ويا إخوتاه ! ألا تبكون من القبر وضمته ؟
ويا أخوتاه ! ألا تبكون خوفاً من النار في القيامة ؟
ويا إخوتاه ! ألا تبكون خوفاً من العطش يوم الحسرة والندامة ؟
عذاب القبر ونعيمه
أخي الكريم : ثبت عذاب القبر بالكتاب والسنة والإجماع، ولا ينكر ذلك إلا مكابر ومعاند قال تعالى ( سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ) {التوبة : 101}
وقال سبحانه : ( وحاق بئال فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدواً وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب) {غافر 45،46} .
وعن أنس رضي الله عنه قال : قال نبي الله صلى الله عليه وسلم « إن العبد إذا وضع في قبره ، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم قال: يأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ قال : فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله قال : فيقال له : إنظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة قال نبي الله صلى الله عليه وسلم فبراهما جميعاً »
وأما المنافق والكافر فيقال له : ما كنت تقول في هذا الرحل ؟ فيقول: لا أدري ، كنت أقول ما يقول الناس فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقيلين» {متفق عليه}
حديث القبور
وروى أسيد بن عبدالرحمن أنه قال: «بلغني أن المؤمن إذا مات فحمل قال : أسرعوا بي، فإذا وضع في لحده كلمته الأرض فقالت : كنت أحبك وأنت على ظهري ، فأنت الآن أحب إلي في بطني .
وإذا مات الكافر فحمل قال : ارحعوا بي، فإذا وضع في لحده كلمته الأرض فقالت : كمت أبغضك وأنت على ظهري، فأنت الآن أبغض إلي في بطني!!
ويقال : إن الأرض تنادي كل يوم فتقول :
يا ابن آدم تمشي على ظهري ومصيرك في بطني!!
يا ابن آدم تأكل الألوان على ظهري ، وتأكلك الديدان في بطني !
يا ابن آدم تضحك على ظهري، فسوف تبكي في بطني !
يا ابن آدم تفرح على ظهري ، فسوف تحزن في بطني !
يا ابن آدم تذنب على ظهري فسوف تعذب في بطني !
أخي الحبيب :
حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم على زيارة الموتى في قبورهم، والأعتبار بأحوالهم ، فقال عليه الصلاة والسلام: « زوروا القبور فإنها تذكر الموت» {مسلم}
وقال النبي صلى الله عليه وسلم «نهيتكم عن زيارة القبور فزروها» وعن أبي داود: «فإن في زيارتها تذكرة» وعند الإمام أحمد : «فزوروها فإن في زيارتها عبرة وعظة»
وكان النبي صلى الله عليه إذا أتى المقابر قال : «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، أنتم السابقون وإنا إن شاء الله بكم لا حقون، أنتم لنا فرط، ونحن لكم ، أسأل الله ولكم العافية» {مسلم}
وفي زيارة القبور فوائد كثيرة منها أنها :
1- تذكر الموت والآخرة 2- تقصر الأمل 3- تزهد في الدنيا 4- ترقق القلوب 5- تدمع الأعين 6- تدفع الغفلة 7- تورقث الخشية 8- تورث
قال محمد بن واسع لرجل : ما أعجب إلى منزلك ! فقال : وما بعجبك من منزلي وهو عند القبور ؟ قال : وما عليك ، يكفون الأذى ويذكرون الآخرة !!»
الأسباب الموجبة لعذاب القبر
أخي المسلم الموفق : ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن أهل القبور يعذبون على جهلهم بالله ، وإضاعتهم لأمره، وارتكابهم لمعاصيه، فإن عذاب القبروعذاب الآخرة أثر غضب الله وسخطه على عبده ، فعذاب القبر يكون على معاصي القلب، والعين، والأذن، والفم، واللسان، والبطن، والفرج، واليد،، والرجل، والبدن كله، فمن أغضب الله واسخطه في هذه الدار ثم لم يتب، ومات على ذلك، كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب الله وسخطه عليه، فمستقل ومستكثر، ومصدق ومكذب .
وقد ورد الوعيد بالعذاب في القبر على كثير من المعاصي والذنوب منها :
1- النميمة والغيبة2- عدم الاستبراء من البول3- الصلاة بغير طهور 4- الكذب 5- تضييع الصلاة والتثاقل عنها .
6- ترك الزكاة 7- الزنى 8-الغلول من المغنم(السرقة) 9- الخيانة 10- السعي في الفتنة بين المسلمين
11- أكل الربا 12- ترك نصرة المظلوم 13- شرب الخمر 14- إسبال الثياب تكبراً 15- القتل 16- سب الصحابة
17- الموت على غير السنة(البدعة)
وقال رحمه الله بعد أن ذكر أنواع كثيرة من المحرمات التي يعذب بها الموتى في قبورهم : « وما كان أكثر الناس كذلك، كان أكثر أهل القبور معذبين، والفائز منهم قليل، فظواهر القبور تراب ، وبواطنها حسرات وعذاب ظواهرها بالتراب والحجارة المنقوشة مبنيات، وفي باطنها الدواهي والبليات، تغلي بالحسرات كما تغلي القدور بما فيها، ويحق لها وقد حيل بينها وبين أمانيها.
إخواني : كم من ظالم تعدى وجار، فما راعي الأهل ولا الجار، بينا هو عقد الإصرار، حل به الموت فحل من حلته الأزرار (فاعتبروا يا أولي الأبصر)
ما صحبه سوى الكفن ، إلى بيت البلى والعفن، ولو رأيته وقد حلت به المحن ، وشين ذلك الوجه الحسن، فلا تسأل كيف صار (فاعتبروا يا أولي الأبصر)
أين مجالسة العالية؟ أين عيشته الصافية؟ أين لذاته الخالية؟ كم كم تسفى على قبره سافية !! ذهبت العين وأخفيت الآثار (فاعتبروا يا أولي الأبصر)
تقطعت به جميع الأسباب، وهجره القرناء والأتراب، وصار فراشه الجندل والتراب، وربما فتح له في اللحد باب إلى النار (فاعتبروا يا أولي الأبصر)
نادم بلا شك ولا خفا ، باك على ما زل وهفا، يود أن صافي اللذات ما صفا ، وعلم انه كان يبني على شفا حرف هار (فاعتبروا يا أولي الأبصر)
الأسباب المنجية من عذاب القبر
وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن أسباب النجاة من عذاب اقبر، هي أن يتجنب الإنسان تلك الأسباب التي تقتضي عذاب القبر، وهي جميع المعاصي والذنوب.
وذكر رحمه الله أن من أنفع تلك الأسباب : أن يحاسب المرء نفسه كل يوم على ما خسره وربحه في يومه، ثم يجدد التوبة ، النصوح بينه وبين الله، فينم على تلك التوبة، فإن مات من ليلته مات على توبة، وإن استيقظ استيقظ مستقبلا للعمل ، مسرورا بتأخير أجله، حتى يستقبل ربه ويستدرك ما فاته، ولا ينام إلا على طهارة ، ذاكراً الله عز وجل ، مستعملاً الأذكار والسنن التي ورت عن الرسول صلى الله عليه وسلم عند النوم حتى يغلبه النوم ، فمن أراد الله به خيراً وفقه لذلك .
ثم ذكر رحمه الله الطاعات التي ورد أنها مما ينجي من عذاب القبر وهي :
1- الرباط في سبيل الله 2- الشهادة في سبيل الله
3- قراءة سورة الملك 4- الموت بداء البطن
5- الموت يوم الجمعة
الثبات عند الموت
قال الفقيه أبو الليث المرقندي : ويكون التثبيت في ثلاثة أحوال ، لمن كان مؤمنا مخلصا مطيعا لله تعالى :
أحدهما : في حال معاينة ملك الموت
ثانيها : في حال سؤال منكر ونكير
وثالثها : في حال سؤاله عند المحاسبة يوم القيامة
فأما التثبيت عند معاينة ملك الموت فهو على ثلاثة أوجه
الأول : العصمة من الكفر، وتوفيق الاستقامة على التوحيد ، حتى تخرج روحه وهو على الإسلام .
والثاني : أن تبشره الملائكة بالرحمة
والثالث : أن يرى موضعه من الجنة
وأما التثبيت في القبر فهو على ثلاثة اوجه :
الأول : أن يلقنه الله تعالى الصواب[، حتى يجيب الملكين بما يرضى عنه الرب.
والثاني : أن يزول عنه الخوف والهيبة والدهشة .
والثالث : أن يرى مكانه في الجنة ، فيصير القبر روضة من رياض الجنة.
وأما التثبيت عند الحساب فعلى ثلاثة أوجه :
الأول : أن يلقنه الحجة عما يسأل عنه :
والثاني : يسهل عليه الحساب .