السروي
19-01-2003, 06:19 PM
في الصغر كنت مولعاً كغيري ممن هم في سني بوجبة الفول الخالية من الزيت الأصلي ، إلى جانب التميس المقرمش في مقهى كان الأشهر من نوعه في تلك الأيام، كانت هذه الوجبة هي تقليعة تلك الأيام .. نستطيع القول : بأنها ( همبرغر تلك الحقبة ) ، الكل يزاحم من أجل الحصول على حبة التميس وصحن الفول .. وفي كل مرة تكون هناك خلافات حول الأدوار ، حالة فوضى يعج بها ذلك المقهى ، نحن الأطفال دائماً يكون آخر الصف مكاناً لنا ، لعدم مقدرتنا على خوض المعارك الطاحنة .
ولكنني وفي يوم شتاء بارد حسب أجواء المنطقة ، كنت واقفاً أمام الخباز لأشتري حبة التميس العنصر الرئيسي للوجبة المفضلة ، تقدمت قليلاً قليلاً إلى أن أصبحت في المقدمة علماً بأنه لم يأت دوري بعد ، وعندما كنت أنظر إلى حبات التميس التي ماأن ترى النور بعد النار ، إلا وتلتقفها يدٌ قد أعدت سلفاً لمثل هذه الحالات ، وذلك بفعل كثرة قبضها على هراوة المسحاة أو العتلة ، فلم تعد تؤثر فيها لذعة بسيطة ، عندها فتحت فمي على مصراعيه ، ولعابي يتقاطر وينساب كالماء من الجدول ، لم اشعر إلا ويدي تمتد وتلتقط قطعة صغيرة سقطت من حبة التميس ، وكان سبب انفصالها ؛ ذلك المنزاع الذي يتم به التقاط حبة التميس من كوة الفرن ، وبلمح البصر كانت في جوفي ، يالها من قطعة لذيذة ، شعور جميل وأنا ألتهمها ، بينما أنا في خضم ذلك الشعور ، وتلك اللذة ، وإذا بضربة على قفاي أرجعتني إلى الوجود ، رفعت رأسي وإذا بصاحب التميسة ينظر إلي بوجه عابس عاقد حاجبيه رافعاً يده عالياً يريد أن يصفعني مرة ثانية فقال : ماذا فعلت يا قليل الأدب !!!! تجمد الدم في عروقي ، وتسمرت اقدامي على الأرض ، ويداي منسدلتان على جانبي .. وكأني في حالة استعداد وثبات .
كانت صفعته قوية ، ولكن كانت كلمته أقوى وأعنيف ، كانت قاسية على مشاعري ، تمنيت لو أدار هامتي بصفعة أخرى ولم يقل ماقال لكان والله أهون علي من تلك الكلمة ، كادت كلمته تمزق قلبي ، وتجردني من عقلي ، وتجعلني إنسان منحرفاً وصاحب سوابق ، لكن الرجل كان ضخماً للغاية ، وكانت ضخامته بمثابة صدور عفو شامل له ولي ، طنين صفعته أيها الإخوة والأخوات مازال يلف رأسي ، وصدى كلمته لايزال يعانق أذني ، قطعت على نفسي وعداً بأن لا آخذ شي ليس لي إلا بعد أن يأذن لي صاحب الصلاحية بذلك ، وبعد تفكير طويل عل مر السنين تعلمت مما فعله بي هذا الرجل الكثير ، فأنا بالفعل مدين له ، فلقد أضاف إلى قاموس تربيتي معناً جديداً ، ومبدءً مهما كنت غافلاً عنه ، ربما هو لم يمد يده علي ليعلمني درساً ، ولم يتفوه بتلك الكلمة لتربيتي أو لنصحي ، لأن هدفه الا يفقد من تميسته التي كلفته اربعة قروش .. وهذا سعرها في ذلك الزمن ، حتى وإن كان ذلك الجزء لايمثل أكثر من لقمة لطفل ، ولكنه بذلك أيقظني من غفلتي .
مرت السنين وأصبحت شاباً يافعاً ومازال عشقي للفول ينمو مع نموي ، مع تغير بسيط ألا وهو إضافة الزيت الأصلي والشطة وسلطة الثوم ، مع العلم أنها قد سببت لي بعض المتاعب ولكن كل المتاعب ، وكل الآلام تزول عندما أتذكر تلك الصفعة ، والمشفوعة بكلمتين من أعذب ماكان ينطق في ذلك الزمان ، وتزول حقيقة بالدرس الذي حفظته الى هذا اليوم والله الموفق .
ولكنني وفي يوم شتاء بارد حسب أجواء المنطقة ، كنت واقفاً أمام الخباز لأشتري حبة التميس العنصر الرئيسي للوجبة المفضلة ، تقدمت قليلاً قليلاً إلى أن أصبحت في المقدمة علماً بأنه لم يأت دوري بعد ، وعندما كنت أنظر إلى حبات التميس التي ماأن ترى النور بعد النار ، إلا وتلتقفها يدٌ قد أعدت سلفاً لمثل هذه الحالات ، وذلك بفعل كثرة قبضها على هراوة المسحاة أو العتلة ، فلم تعد تؤثر فيها لذعة بسيطة ، عندها فتحت فمي على مصراعيه ، ولعابي يتقاطر وينساب كالماء من الجدول ، لم اشعر إلا ويدي تمتد وتلتقط قطعة صغيرة سقطت من حبة التميس ، وكان سبب انفصالها ؛ ذلك المنزاع الذي يتم به التقاط حبة التميس من كوة الفرن ، وبلمح البصر كانت في جوفي ، يالها من قطعة لذيذة ، شعور جميل وأنا ألتهمها ، بينما أنا في خضم ذلك الشعور ، وتلك اللذة ، وإذا بضربة على قفاي أرجعتني إلى الوجود ، رفعت رأسي وإذا بصاحب التميسة ينظر إلي بوجه عابس عاقد حاجبيه رافعاً يده عالياً يريد أن يصفعني مرة ثانية فقال : ماذا فعلت يا قليل الأدب !!!! تجمد الدم في عروقي ، وتسمرت اقدامي على الأرض ، ويداي منسدلتان على جانبي .. وكأني في حالة استعداد وثبات .
كانت صفعته قوية ، ولكن كانت كلمته أقوى وأعنيف ، كانت قاسية على مشاعري ، تمنيت لو أدار هامتي بصفعة أخرى ولم يقل ماقال لكان والله أهون علي من تلك الكلمة ، كادت كلمته تمزق قلبي ، وتجردني من عقلي ، وتجعلني إنسان منحرفاً وصاحب سوابق ، لكن الرجل كان ضخماً للغاية ، وكانت ضخامته بمثابة صدور عفو شامل له ولي ، طنين صفعته أيها الإخوة والأخوات مازال يلف رأسي ، وصدى كلمته لايزال يعانق أذني ، قطعت على نفسي وعداً بأن لا آخذ شي ليس لي إلا بعد أن يأذن لي صاحب الصلاحية بذلك ، وبعد تفكير طويل عل مر السنين تعلمت مما فعله بي هذا الرجل الكثير ، فأنا بالفعل مدين له ، فلقد أضاف إلى قاموس تربيتي معناً جديداً ، ومبدءً مهما كنت غافلاً عنه ، ربما هو لم يمد يده علي ليعلمني درساً ، ولم يتفوه بتلك الكلمة لتربيتي أو لنصحي ، لأن هدفه الا يفقد من تميسته التي كلفته اربعة قروش .. وهذا سعرها في ذلك الزمن ، حتى وإن كان ذلك الجزء لايمثل أكثر من لقمة لطفل ، ولكنه بذلك أيقظني من غفلتي .
مرت السنين وأصبحت شاباً يافعاً ومازال عشقي للفول ينمو مع نموي ، مع تغير بسيط ألا وهو إضافة الزيت الأصلي والشطة وسلطة الثوم ، مع العلم أنها قد سببت لي بعض المتاعب ولكن كل المتاعب ، وكل الآلام تزول عندما أتذكر تلك الصفعة ، والمشفوعة بكلمتين من أعذب ماكان ينطق في ذلك الزمان ، وتزول حقيقة بالدرس الذي حفظته الى هذا اليوم والله الموفق .